المقالات

إضاءات في الذكرى الرابعة لوفاة القائد الوطني الكبير د. حيدر عبد الشافي

إضاءات في الذكرى الرابعة لوفاة القائد الوطني الكبير د. حيدر عبد الشافي….

21-9-2011

بقلم / محسن أبو رمضان

في 25/9/2007 توقف قلب المناضل الكبير عنوان النزاهة والشفافية والمصداقية الوطنية د. حيدر عبد الشافي عن الخفقان ليترك لنا العديد من العبر والدروس من اجل استلهامها في مسيرة النضال الوطني والاجتماعي.

لقد ساهمت العديد من المحطات في بلورة الوعي الوطني لدى د. حيدر عبد الشافي منها انخراطه في جمعية العروة الوثقى اثناء دراسته بالجامعة الأمريكية ومنها مناصرته للقوى التقدمية الرافضة لمشروع التوطين عام 55 ، ولقد ساعدت علاقته مع القوى القومية والتقدمية وشخصيته النزيهة لتأهيله لعضوية ورئاسة المجلس التشريعي عام 62 ، وقد تم تجديد رئاسته للمجلس بالعديد من المرات ، ، حيث اصبح شخصية ذات اجماع وطني الأمر الذي اهله ايضاً لعضوية اول لجنة تنفيذية ل .م . ت .ف عام 66 برئاسة المرحوم احمد الشقيري في ذلك الحين .

انخرط د. حيدر عبد الشافي بالعمل الوطني كشخصية وطنية وديمقراطية مستقلة ، وقد كان صديقاً لكافة القوى الوطنية والتقدمية ، بعد هزيمة حزيران عام 67 ، وبسبب هذه الصداقة فقد تم ابعاده مرتين مرة إلى جنوب لبنان وثانية إلى سيناء مع بعض من الشخصيات الوطنية وذلك بسبب مواقفه الصلبة الرافضة للاحتلال والمساندة لحركة الكفاح الفلسطيني .

أدرك د. حيدر عبد الشافي منذ السنوات الأولى للاحتلال ، أهمية العمل الاجتماعي ، حيث قام مع العديد من زملاؤه وأصدقاؤه بتأسيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بقطاع غزة ، عام 69 ولم تتم هذه المسألة بسهولة حيث خاض صراعاً مع الاحتلال الذي رفض منح التسجيل لهذه الجمعية بالبداية تحت حجة انها امتداد ل م.ت.ف وانها هيئة سياسية وليس اجتماعية ، إلا ان الصلابة والقدرة على التأثير ووضوح اهداف الجمعية بأبعادها الاجتماعية اجبر الاحتلال للموافقة على منح التسجيل لهذه الجمعية ، والتي لعبت دوراً رائداً بالحياة الاجتماعية والثقافية والوطنية الفلسطينية في قطاع غزة .

تعززت مكانة د. حيدر الوطنية عبر انخراطه في اللجان الوطنية التي شكلت امتداداً ل م.ت.ف وأبرزها لجنة التوجيه الوطني التي ضمت بعضويتها رؤساء البلديات المنتخبين ورؤساء تحرير الصحف إضافة لبعض الشخصيات الوطنية العامة وممثل عن اتحاد النقابات المهنية وذلك في عام 78 .

لعبت لجنة التوجيه الوطني دوراً في تحفيز الجماهير للنضال في مواجهة الاحتلال وفي الرفض الشعبي لاتفاقات كامب ديفيد ، ومبدأ الحكم الذاتي ، وبعد ذلك فقد شارك بفاعلية بالانتفاضة الشعبية الأولى 87 – 93 ، وساهم في بلورة وتشكيل القيادة الوطنية الموحدة لها ، كما كان يتحرك شخصياً ويشارك بالمظاهرات الشعبية في مواجهة الاحتلال ، وكان قد تعرض إلى رصاص جيش الاحتلال عندما قاد هو وبعض من قادة العمل الوطني مسيرة شعبية انطلقت من مسجد البورنو بجوار مستشفى الشفاء متوجهة إلى معسكر الشاطئ الذي كان يعاني من حصار و تنكيل الاحتلال

تزامنت عملية صعود شخصية د. حيدر عبد الشافي ومكانته الوطنية والسياسية ، مع تصاعد مكانته على الصعيد الاجتماعي وذلك عبر عضويته في مجالس امناء العديد من المؤسسات الاهلية والاجتماعية والاكاديمية منها الملتقى الفكري العربي ، جمعية المقاصد الخيرية ، جامعة بير زيت … إلخ.

رغم موافقة د. حيدر عبد الشافي على رئاسة وفد مؤتمر مدريد في عام 91 ، وقد ابدى حينها صلابة وطنية راسخة تجاه قضية الاستيطان وأهمية تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، حيث اعتبره المراقبين بأنه صمام أمان وطني في عملية المفاوضات مع الإسرائيليين ، إلا أنه عارض بحزم اتفاق أوسلو واعتبره نقطة تحول سلبية وتراجعاً في مسيرة العمل الوطني الفلسطيني بما أنه أجل القضايا الرئيسية والتي تشكل العناصر الجوهرية للقضية الفلسطينية منها ” الاستيطان ، اللاجئين ، القدس ، الأسرى ، المياه ، الحدود ” وكذلك استناد الاتفاق إلى مرجعيات أمنية أكثر من الأسس السياسية التي تستند إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ، ومنها الاستناد إلى فكرة الحكم الإداري الذاتي منقوص السيادة ، والتعامل مع الأراضي المحتلة كأراض متنازع عليها .

إن معارضة د. حيدر لاتفاق أوسلو لم تعزله عن المشهد السياسي بل استمر بالنضال في مؤسسات المجتمع المدني وكذلك عبر عضويته بالمجلس التشريعي عام 96 ، حيث فاز بأعلا الأصوات ،وبدون دعاية انتخابية مظهرية قام بها العديد من المرشحين في ذلك الحين مؤكداً بأن العضوية بالمجلس التشريعي تعبيراً عن الخيار الديمقراطي وليس بالاستناد إلى اتفاق أوسلو ، حيث ان الانتخابات واختيار ممثلي الشعب بصورة ديمقراطية وحرة ، هو حق وطني.

وفي هذا السياق واستناداً لقدرته على تشخيص المرحلة بما انها مرحلة تحرر وطني تتداخل بها المهمات الوطنية مع الاجتماعية والحقوقية فقد شكل حركة البناء الديمقراطي كنواة لتيار ديمقراطي عريض.

وبعد ان لاحظ استيعاب المؤسسة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية ، وعدم قدرة الأولى لتفعيل آليات الرقابة والمسائلة ومحاربة الفساد قدم استقالته من المجلس ليعود من جديد إلى مؤسسات المجتمع المدني ، حيث بقى على راس جمعية الهلال الأحمر وبصورة طوعية مؤمناً بالعمل الاجتماعي والاهلي كأحد مرتكزات الصمود وأحد روافع العملية التنموية والديمقراطية بالمجتمع ، كما ترأس الجمعية العامة لشبكة المنظمات الأهلية بقطاع غزة .

أدرك د. حيدر ان الاحتلال لن يقدم حلولاً تستجيب للحد الأدنى من طموحات ومطالب الشعب الفلسطيني ، وهذا ما حدث في مفاوضات كامب ديفيد 2000 ، حيث قدمت مقترحات بعيدة عن امكانيات الاستقلال والحق في تقرير المصير والعودة ، مقترحات يتم من خلالها استمرارية الهيمنة الاحتلالية على شعبنا في ظل عدم منحه الحق بالسيادة الوطنية والاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الضخمة أي الابقاء على الحل القائم على الحكم الاداري الذاتي بصلاحيات اوسع لا ترتقي على مرحلة الاقرار بإقامة الدولة ذات السيادة هذا عدا عن التمسك بالقضايا الهامة مثل القدس ورفض حق العودة أو الانسحاب من حدود الرابع من حزيران عام 67 .

أكد د . حيدر على أهمية بناء قيادة وطنية موحدة عندما اندلعت الانتفاضة الثانية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000 ، حيث كان مصراً على مبدأ الوحدة الوطنية وترتيب البيت الداخلي كما أصراره على مسألة محاربة الفساد وتحقيق الحكم الديمقراطي الصالح ، حيث أكد على أهمية و محورية العلاقة ما بين الوطني والديمقراطي ، خاصة بعد أن استغلت اللجنة الرباعية الدولية عام 2002 ضعف البنى المؤسساتي للسلطة ووجود اختلالات من مظاهر الفساد الإداري والمالي ، حيث قامت بالتدخل بالدستور و بالشان الداخلي عبر استحداث منصب رئيس وزراء وتعين وزير مالية بما يترتب على ذلك من اضعاف سلطة الرئيس عرفات عقاباً له على رفضه لمقترحات كامب ديفيد .

تعددت الاجتهادات بالرؤية السياسية حول الهدف من الانتفاضة الثانية وأشكال النضال ، وكان د. حيدر يؤكد على أهمية بلورة استراتيجية نضالية موحدة واستخدام أشكال نضالية قادرة على تحقيق الهدف ويتعاطف معها العالم مع اقراره بأحقيه شعبنا باستخدام كافة وسائل النضال التي يشرعها القانون الدولي .

إن طرحاً شاملاً للحالة التي سادت ابان الانتفاضة الثانية والقائمة على اسس الوحدة والديمقراطية تم اعلانه عبر المبادرة الوطنية الفلسطينية بمشاركة د. مصطفى البرغوثي الذي رئس حركة المبادرة بعد ذلك كما شارك بالمؤتمر الذي عقد في حزيران / 2001 د. إبراهيم الدقاق وقد وقع على بيان المؤتمر مئات من الشخصيات الوطنية والديمقراطية الفلسطينية بالوطن والمهجر أبرزهم المفكر الراحل د. إدوارد سعيد .

رحل د. حيدر عبد الشافي وقد ترك لنا بعض الكلمات البسيطة ولكن العميقة في مضمونها كالنظام والأخلاق ، والذي ممكن ان يتم اشتقاق منهم العديد من المعاني ” كالوحدة الوطنية والبناء المؤسساتي والديمقراطية والشفافية والمصداقية ” والعديد من المعاني والمفاهيم التي من خلالها يمكن الخروج من دائرة ردود الافعال إلى دائرة المبادرة السياسية على قاعدة من النظام وترتيب الذات واحترام حرية وكرامة المواطنين وضمان حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وغيرها من المفاهيم الديمقراطية والحقوقية الضرورية والمرتبطة بمفهومي النظام والأخلاق .

رحل عنا وهو يردد تلك الكلمات وقد بكى كثيراً عندما سمع عن الاقتتال الفلسطيني في حزيران 2007 والذي أدى إلى الانقسام السياسي والجغرافي والذي ما زلنا نعيش تداعياته وأثاره الضارة على المستويات السياسية والاجتماعية .

إن السعي الجاد باتجاه تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة من النظام والأخلاق بالبعدين الوطني والاجتماعي وصيانة الديمقراطية وتعزيزها هي الطريقة الأهم في تكريم هذا المناضل الكبير الراحل د. حيدر عبد الشافي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق