المقالات

حيدر عبد الشافي الإنسان والسياسي والقائد الذي جاء إفرازاً لاندماجه الواعي بحركة شعبه

حيدر عبد الشافي الإنسان والسياسي والقائد الذي جاء إفرازاً لاندماجه الواعي بحركة شعبه

غازي الصوراني

27-9-2007

بالأمس فارقنا حيدر عبد الشافي… بعد أن ودعته غزة ومخيماتها وقراها في لحظة يشعر فيها أبناء شعبنا الفلسطيني في حيفا ويافا والقدس والجليل والدهيشة وعين الماء وكل مخيمات الوطن والمنافي أنهم أحوج ما يكونوا إليه مثل خيط من الضياء والعقل في هذا المشهد السوداوي الشديد الإظلام الذي يلف أبناء شعبنا ويسد عليهم كل الآفاق إلى حين … ففي مشهد الوداع الغزاوي كانت سفينة نوح الفلسطينية تسير بهدوء في مياه بحر غزة الحزين، نتطلع في وجوه ركابها في المشهد الجنائزي الذي ضمَّ المودعين من كل قرية ومدينة فلسطينية …من القدس ويافا وحيفا والناصرة والجليل وصفد واسدود والمجدل ونابلس والخليل … تلك هي غزة سفينة نوح التي عهدناها ولم نزل كحارس أمين من حراس الهوية الوطنية الفلسطينية بامتياز.
الحديث عن حيدر ليس حديثاً عن قائد وطني كبير حاز على الاحترام والتقدير من أبناء شعبه كما في المحافل العربية والدولية الرسمية والشعبية، بل هو حديث عن غزة المدينة الفلسطينية التي أرغمت “شمشون” على جر طاحون المعصرة إلى أن طغى عليه يأسه فقال كلمته: “عليَّ وعلى أعدائي” .
إن الحديث عن الدكتور حيدر عبد الشافي هو حديث عن العام قبل الخاص… عن الشعب قبل الأفراد، لان التاريخ لا يصنعه – في المقدمات والنتائج- سوى حركة الجماهير، وأي حديث عن قائد أو فرد كصانع للتاريخ ليس سوى عملية تزييف باهتة قد تدوم للحظات في المكان والزمان لكنها لا تملك أية إمكانية للاستمرار أو الثبات في سجل التاريخ.
من هنا أهمية التقييم الموضوعي لدور الفرد عبر التحامه الصادق والأمين بحركة شعبه في صعودها إلى الأمام دون أي تطلع للتمجيد أو العبادة الشخصية أو المصالح الأنانية أو الاستزلام والفساد، وهي أمور أو صفات ازعم أن حيدر عبد الشافي كان حريصاً طوال تاريخه ان يظل أميناً لقضايا شعبه دون أي اقتراب منه نحو المصالح الخاصة تحت أي ظرف من الظروف.
بدأ حياته السياسية في بيروت عضواً في جمعية العروة الوثقى، وهي جمعية قومية ثقافية سياسية خلال الفترة منذ عام 1937 – 1940 حيث أغلقت الجمعية لأسباب أمنية، ثم التحق منذ عام 1940 – 1943 في تجمع “القوميين العرب” مع كل من المرحوم منيف الرزازود صلاح عنبتاوي وكان الأب الروحي لهذا التجمع الأستاذ قسطنطين زريق.
وبعد تخرجه من الجامعة الأمريكية ارتبط بصداقات مع القوى الديمقراطية والتقدمية ذات الطابع اليساري في فلسطين، امتدت هذه العلاقة ضمن أبعادها السياسية والأيدلوجية إلى ما بعد النكبة عام 1948 حيث استمر على نهجه هذا طوال ممارسته لمهنته كطبيب، جامعاً بشكل متوازن بين الفكر والممارسة فكان بحق طبيباً للفقراء ومناضلاً ديمقراطياً عنيداً في الدفاع عن حقوقهم وأهدافهم الوطنية.
وفي مارس عام 1955 حينما هبت جماهيرنا الفلسطينية في قطاع غزة في انتفاضتها الأولى ضد المشروع الأمريكي لتوطين اللاجئين في سيناء وتحت شعار “لا توطين ولا إسكان… يا عملاء الأمريكان”… كان حيدر عبد الشافي واحداً من الرموز الوطنية في القطاع التي التحمت بالجماهير… وتراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروعها بعد أن أعلن القائد الخالد جمال عبد الناصر رفضه لمؤامرة التوطين استجابة منه لانتفاضة غزة الأولى.
وفي أوائل نوفمبر 1956 بدأ العدوان الثلاثي على مصر وفلسطين واحتلت إسرائيل قطاع غزة، وتنادت القوى الوطنية لتشكيل الجبهة الوطنية، وكان حيدر عبد الشافي من أبرز قيادات تلك الجبهة منذ تشكيلها… وأمام ضغوط المقاومة في الداخل والضغوط الدولية السوفيتية انسحب المحتلون من مصر وقطاع غزة ليبدأ عهد جديد.
وفي بداية الستينات بدأت الإدارة المصرية بالتنسيق مع قيادة الحركة الوطنية في القطاع بتأسيس أول مجلس تشريعي، وفي أوائل عام 1962 بدأت عملية الانتخابات لعضوية المجلس وكان فقيدنا الراحل حيدر واحداً من عشرة أعضاء فازوا في الانتخابات الجماهيرية عن مدينة غزة، وتم عقد الدورة العادية الأولى للمجلس التشريعي يوم السبت 22/6/1962، وانتخب في الجلسة الأولى رئيسا للسلطة التشريعية، وباتفاق مع زملائه الوطنيين والديمقراطيين تم صياغة هذا الإعلان الصريح أن “مجلسنا التشريعي ليس من مهمته فقط أن يشكل لجاناً أو يقر قوانين تتعلق بالاعمار أو الشؤون الإدارية المختلفة، بل إن مهمتنا تنحصر في الدرجة الأولى بالعمل على إبراز الكيان الفلسطيني حرصاً على وحدة شعبنا التي باتت مهددة بالزوال… لقد بات من اللازم أن يجسد الفلسطينيون وحدتهم في شكل كيان فلسطيني”، وتقدم حيدر عبد الشافي وعدد من زملائه أعضاء المجلس بمشروع قانون يجعل من قطاع غزة موطناً لكل فلسطيني، وبالتالي فان “حق العودة إلى الجنسية الفلسطينية والإقامة الدائمة في القطاع حق أساسي من حقوق كل عربي فلسطيني أينما وجد، باعتباره البقية الباقية من فلسطين وما زال يحمل اسمها”.
هذا القرار التاريخي لم يكن بعيداً عن الحركة الجماهيرية الفلسطينية في القطاع التي هتفت بكل عفوية وصدق من اجل “إعلان جمهورية فلسطين في قطاع غزة” آنذاك وليتها فعلت!؟
وجاء عام 1964 بالإعلان عن ولادة منظمة التحرير الفلسطينية استجابة بهذا القدر أو ذاك لتطلع جماهيرنا الفلسطينية ونزوعها نحو الاستقلال والتحرر (رغم خطة النظام العربي الذي كان يسعى إلى غير ذلك)، ففي 28/5/1964 عقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس وتم انتخاب المرحوم احمد الشقيري رئيسا للمؤتمر وحيدر عبد الشافي نائباً للرئيس، وفي منتصف عام 1964، تم اختياره عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وجاءت هزيمة حزيران … وخيم الظلام الدامي على قطاعنا الحبيب في الأيام الثلاثة الأولى… وفي اليوم الرابع بدأ أبناء شعبنا الفلسطيني في غزة وخانيونس والبريج وجباليا ورفح والشاطيء وبيت حانون يضيئون شموع الأمل، ومنذ البداية توجه حيدر عبد الشافي مع أبناء شعبه بكل ثبات وتواضع يضيء شمعته هو الآخر ضد الظلام عبر دوره النضالي التقدمي الديمقراطي الذي استمر دون كلل رافعاً شعار الوحدة الوطنية والتربية الأخلاقية حتى رحيله عنا بالأمس.
وفي ظل الاحتلال ورغم كل ما تعرض له من ضغوط ونفي… ظل حيدر عبد الشافي صامداً يعمل بصمت دون كلل حتى عام 1982 حين قام مع عدد من رموز الحركة الوطنية في القطاع بتأسيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي تمارس نشاطها لصالح الفقراء والكادحين في المخيمات والحارات الفقيرة في غزة وخانيونس ورفح.
إن الحديث عن حيدر عبد الشافي ليس على الإطلاق حديثاً ذاتياً رغم كل هذه العلامات التاريخية المضيئة في حياته التي تحمل طابعاً خصوصياً فهو حديث موضوعي في المطلق لان شكله ارتبط بحركة الجماهير التي حددت منذ البدء مسار الدكتور حيدر عبد الشافي دون أن يكون له أي دور كفرد في صنع الأحداث وإنما عبر اندماجه الواعي والطوعي معها بعيداً عن مصالحه الخاصة بل على حسابها… من هنا جاء إجماع القوى الوطنية الفلسطينية على اختياره رئيسا لوفدنا الفلسطيني ليمثل في جوهره امتداداً لإجماع جماهيرنا الفلسطينية وتقديرها واحترامها – سواء بحسها العفوي أو الواعي للقائد العربي الفلسطيني الكبير، حيث رأت فيه مجسداً ومدافعاً صلباً عن الهوية الوطنية والمشروع الوطني الديمقراطي.
إن القول بان حيدر عبد الشافي يمثل – ولاعتبارات موضوعية- “صمام الأمان” للأهداف الوطنية الكبرى لشعبنا، إنما يؤكد على حقيقة موضوعية، لان التزامه بحق تقرير المصير والبناء الديمقراطي للمجتمع الفلسطيني وحق شعبنا في السيادة على أرضه ووطنه بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية هو التزام بحركة ومستقبل جماهيرنا الفلسطينية التي كانت –وستظل- دوماً المعلم والمراقب الكبير لكل قياداتنا الوطنية في الماضي والحاضر والمستقبل… وداعاً يا ضمير شعبنا … أيها الأب الروحي للحركة الديمقراطية في فلسطين وكل أرجاء الوطن العربي … وداعاً أيها القائد أبا خالد.

المصدر:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=110424

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق