المقالات

أزمة الديمغرافيا في «إسرائيل» د. فايز رشيد

رعب حقيقي تعيشه «إسرائيل» من تقرير نشرته «الإدارة المدنية» عن الوضع الديمغرافي في «إسرائيل»، حول تساوي عدد الفلسطينيين العرب مع اليهود. بالطبع عُرض التقرير الذي يشمل كل المناطق المحتلة على لجنة الخارجية والأمن في «الكنيست» ففجر زلزالاً لدى المطالبين بضم الضفة الغربية باعتبارها جزءاً من «إسرائيل». هؤلاء يطلقون منذ سنوات أوهاماً من أجل إخفاء الميزان الديمغرافي الذي ترافق مع قيام «الحركة الصهيونية» منذ بداية مشروعها في فلسطين، ففي مؤتمر هرتسيليا الاستراتيجي الخامس كان السؤال الأبرز الذي بحثه المؤتمر هو الهاجس الديمغرافي الذي فرض نفسه على كل المؤتمرات اللاحقة.
إن وجود أغلبية غير يهودية في فلسطين المحتلة بعد حوالي مئة سنة من الصراع ليس نتيجة التحول الديمغرافي العربي الفلسطيني باستثناء الولادات الطبيعية بل إنه نتيجة لحقيقة يترتب أن يدركها الاستراتيجيون «الإسرائيليون» وهي أنه في وقت إصدار وعد بلفور في العام 1917 والمصادقة على صك الانتداب في العام 1922 كانت نسبة اليهود هي 10 في المئة فقط من إجمالي سكان فلسطين.
ومنذ ذلك الحين فشلت جهود تحقيق أغلبية يهودية بين البحر والنهر، رغم كل أساليب التهجير القسري للفلسطينيين من وطنهم والمذابح التي ارتكبتها العصابات الإرهابية اليهودية ضد شعبنا وصولاً إلى يومنا هذا. كذلك رغم كل محاولات «إسرائيل» استجلاب اليهود وكل من هو صديق لليهود من دول العالم، بما فيها استيراد مليون روسي في عهد جورباتشوف (وجزء كبير منهم غير يهود)، رغم كل ذلك لم تستطع «إسرائيل» فرض حقائق الديمغرافيا التي تريدها في فلسطين. من زاوية أخرى فإن الهجرة العكسية إلى الخارج في ازدياد مستمر، هذا وفقاً لإحصاء منظمة «نفيش بنفيش»، التي تشجّع هجرة يهود العالم إلى «إسرائيل». ففي عام 2015 غادر نحو 16700 يهودي إلى الخارج لم يعد منهم سوى 8500 حسب الصحافة «الإسرائيلية».
إذا یجب وبالضرورة ألا یكون مدعاة للرهان على الدیموغرافیا، والمسارعة للخروج باستنتاجات مریحة، والذهاب بعیداً باتجاه «الحتمیة التاریخیة» التي حاول الاقتراب منها الدكتور أحمد الطیبي عضو «الكنیست» عن «القائمة العربیة المشتركة» في تعقیبه على ردود الفعل «الإسرائيلية» إزاء معطیات الإحصائیة سواء عندما قال: إن احتمال تعیین رئیس حكومة «إسرائیلیة» من القطاع العربي الفلسطیني في «إسرائيل»، أو في تأكیده على «أن استمرار رفض الائتلاف الحكومي الیمیني المتطرف الحالي لخیار حل الدولتین سیؤدي في نهایة المطاف إلى قیام دولة دیمقراطیة واحدة ستكون الغلبة فیها للفلسطینیین. ثمة حاجة للتروي وعدم الذهاب بعیداً في «الحلم» بأن «تحولات» قد طرأت «الآن» على موازین القوى بعد فشل تكریس أغلبیة یهودیة على أرض فلسطین التاریخیة.
من جانب آخر، أوصت لجنة «إسرائيلية» رسمية، الحكومة بالاهتمام بما لا يقل عن 60 مليون شخص في العالم من ذوي العلاقة بهذا المستوى أو ذاك باليهودية و«إسرائيل»، وحتى التفكير بهجرة قسم منهم إلى فلسطين وتهويدهم. وقد عينت اللجنة قبل عامين الوزير المتطرف نفتالي بينيت الذي يتولى حقيبة التعليم وحقيبة ما يسمى «يهود الشتات» لغرض البحث عن مجموعات سكانية في العالم تشكل قاعدة للتهويد أو لتقريبها من المشروع اليهودي. وحسب ما نشر في صحيفة «هآرتس» فقد رسمت اللجنة خمس «دوائر انتماء» (للشعب) اليهودي المزعوم، وهي: القاعدة الأساس التي تشمل أكثر من 14 مليون يهودي معترف بهم كيهود. و9 ملايين شخص ينطبق عليهم تعريف «يستحقون العودة هم وعائلاتهم»، و5 ملايين شخص «على الأقل» يمكن اعتبارهم «أقارب بعيدين أحفاد يهود من الجيل الرابع فما فوق، ويهود قاموا بتغيير دينهم»، و35 مليون شخص يعلنون عن صلة بالشعب اليهودي مثل أحفاد مضطهدين، بالتالي فإن 60 مليون شخص يمكن اعتبارهم «إمكانية كامنة مستقبلية»، ووضعت اللجنة توصيات من المفترض أن تبحثها الحكومة «الإسرائيلية» لاحقاً وبضمنها وضع برنامج متعدد السنوات يشمل التقرب من هذه المجموعات وبث الدعاية اليهودية بينها، والسعي إلى تقريبها للمشروع «الإسرائيلي». ثم وبشكل تدريجي يتم البحث في تهجير بعضهم إلى فلسطين لغرض تهويدهم.
لكن، مهما اخترعت «إسرائيل» من وسائل فلن تضمن بقاءها كدولة، وهي ستزول حتماً من الوجود إن آجلاً أو عاجلاً.. إنهم يبحثون عن حلول ترقيعية لاستمرار وجود دولتهم وإطالة عمرها اصطناعياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق