المقالات

المصالحة لإنقاذ القضية / حافظ البرغوثي . 

قال السفير الأمريكي لدى «تل أبيب» ديفيد فريدمان كل شيء، عندما هدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالبحث عن بديل له في حالة استمراره في مقاطعة الولايات المتحدة وامتناعه عن التفاوض مع «إسرائيل»، واستعاد السفير الذي وصفه أبو مازن ب«ابن الكلب» في خطابه مؤخراً تصريح الرئيس السابق جورج بوش الذي طالب ياسر عرفات بالاستقالة في أوج الانتفاضة سنة 2002، بعد رفضه التخلي عن القدس في كامب ديفيد. وكلنا نذكر أنه بعد تهديد بوش بفترة تمت محاصرة عرفات في المقاطعة، ثم تم اغتياله.

السفير الأمريكي فريدمان، وهو مستوطن وداعم للاستيطان رفع شعار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس منذ بداية تعيينه، والآن اكتمل عقد الصقور في البيت الأبيض بعد تعيين رئيس المخابرات المركزية مايك بومبيو وزيراً للخارجية، والتخلص من مستشار الأمن القومي ماكماستر، وتعيين جون بولتون أكثر الصقور تشدداً في الشأن الفلسطيني بديلاً عنه. فتركيبة الإدارة الأمريكية الآن ملائمة لليمين «الإسرائيلي» تضاف إلى كل من كوشنر وزوجته إيفانكا التي تهوّدت حديثاً، وفريدمان والمبعوث غرينبلات ونيكي هايلي المسكونة بالإسلاموفوبيا.
في الأسبوع الماضي بينما كان فريدمان يتحدث عن ضرورة البحث عن بديل لعباس، كان الأخير يعقد لقاءات مع وزيري خارجية ألمانيا وفرنسا، حيث أبلغ عباس الوزير الألماني بأنه ليس ضد المفاوضات، ولكن الرئيس الأمريكي أسقط القدس من التفاوض، ويريد إلغاء قضية اللاجئين، ولا يتحدث عن دولة فلسطينية، فما الذي سيبحثه في المفاوضات؟
بل لا يبدو أن «إسرائيل» بحكومتها الحالية راغبة في أية مفاوضات ما دامت تحظى بدعم أمريكي غير محدود، ولا تريد مخاطبة أبو مازن كما فعلت مع سلفه أبو عمار، وتروّج كما السفير الأمريكي فريدمان لفكرة البحث عن بديل. في عهد أبو عمار عمل الأمريكيون علناً على ترشيح أبو مازن خليفة له، وضغطوا مع الغرب لتعيينه رئيساً للوزراء رغم أنف أبو عمار. وقيل وقتها إن أبو مازن استقال بعد مئة يوم من توليه منصبه؛ لأن عرفات عرقل عمله وأرسل «زعرانا» للتشويش عليه في إحدى جلسات المجلس التشريعي، لكن الحقيقة كما رواها أبو مازن في حينه أنه استقال؛ لأن أبو عمار ناصبه العداء، وعمل كل ما بوسعه لعرقلة عمل حكومته وقاطعها. فقد نجح أبو مازن في بداية حكومته في لقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وشرح له كيف أن الاستيطان يقطع أوصال الأراضي الفلسطينية، ويحول دون قيام دولة فلسطينية متواصلة الأجزاء، واقتنع بوش بكلامه، وأدلى يومها بتصريح فريد وصف فيه الاستيطان بأنه كالأفعى. وظن أبو مازن أنه حقق اختراقاً سياسياً كبيراً، ما أثار حفيظة رئيس الوزراء «الإسرائيلي» آنذاك إرييل شارون الذي هرع إلى واشنطن؛ لمحو آثار زيارة أبو مازن، ونجح في ذلك، وبدأ سياسة عرقلة ومقاطعة الحكومة الفلسطينية. وكان الهجوم على مقر المجلس التشريعي في رام الله أثناء وجود أبو مازن فيه بمثابة القشة التي قصمت ظهر حكومة أبو مازن.
الآن يحاول الأمريكيون البحث عن بديل ما، ويبدو الأمر معقداً؛ نظراً لأن أبو مازن يتخذ موقفاً وطنياً في مواجهة «إسرائيل»، وواشنطن التي تحاول العودة إلى الحل القديم أي إقامة دولة في غزة وترويض حماس، وصولاً إلى نزع سلاحها، وجذب الناس عن طريق توفير مساعدات دولية بعد الاجتماع الذي عقده كوشنر مع مندوبي الدول المانحة في البيت الأبيض الشهر الماضي، بهدف إيجاد آلية دولية للمساعدات تتجاوز السلطة الوطنية وحماس معاً. فيما يجتهد قادة فلسطينيون لحشد الدعم لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام، وإيجاد آلية دولية لهذا الغرض، ويراهنون على الموقف الأوروبي خاصة فرنسا؛ لكي تتولى الدعوة لمثل هذا المؤتمر، لكن فرنسا تريد موقفاً عربياً داعماً لها، ليس بقرار من القمة العربية المقبلة فقط، ولكن بطلب محدد من بعض الدول العربية. إلا أن المناخ الدولي الذي يزداد توتراً لا يعمل لمصلحة المبادرة الفلسطينية، في ظل التوتر بين الشرق والغرب. ويبقى ما هو مهم وضروري لإنقاذ القضية الفلسطينية من الإهمال والتصفية، أن تعمد مصر إلى الضغط بقوة لإنجاز المصالحة الفلسطينية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق