المقالات

مسيرة العودة والخيار السلمي د. ناجي صادق شراب

كشفت «مسيرة العوده الكبرى» التي شهدها قطاع غزة عن أهمية الحراك الشعبي السلمي كاستراتيجية لها فعاليتها وحضورها وتأثيرها. وهنا لا بد من إبداء بعض الملاحظات: الأولى، أن الحراك السلمي يزداد فعالية وحضوراً بحجم المشاركة، فلعل أحد أهم مقومات الحراك السلمي هي المشاركة الجماهرية الكبيرة. الملاحظة الثانية، الالتزام بقواعد العمل السلمي، والنأي عن أي مظاهر العنف أو القوة لأنها تفقد المسيرة السلمية مضمونها وجوهرها. الملاحظة الثالثة، تعميم المسار السلمي ليشمل كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة خصوصاً، وتوسيع دائرتها على المستوى الإقليمي والدولي، والاستفادة من تواجد الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية والصديقة في كافة الدول، لإيصال الرسالة من هدف المسيرة، والهدف هنا واضح وهو أن هناك شعباً مثل بقية كل الشعوب،وأن هذا الشعب تحت الاحتلال والحصار، وأرضه محتلة ومصادرة، ومحروم من العودة إليها.
وفي هذا السياق فإن الخطوة الأولى في هذا المسار السلمي بالتركيز على هدف العودة وماذا يعني. الفلسطينيون في كل لحظة وفي كل وقت يمكن أن تصادر أراضيهم، وتدمر منازلهم ويطردوا منها ليعيشوا في خيام. والسبب هو وجود «إسرائيل» كدولة احتلال عنصرية ترفض وجود الآخر الفلسطيني رغم أن الأرض أرضه.
لذا، ينبغي أن تصاحب هذا الحراك الشعبي لغة الأرقام التي تبين حجم الأراضي المحتلة وتلك المصادرة، وحجم الاستيطان وسياسات التهويد في الأراضي التي اعترف العالم والأمم المتحدة بحق الفلسطينيين بها وقيام دولتهم عليها. هذا هو المعنى المباشر للعودة. ثم، التذكير بقضية النكبة واللاجئين وكيف أجبروا على ترك ديارهم بعدما ارتكبت العصابات اليهودية المجازر بحقهم.والخطوة الثانية تتمثل بالتوافق على آليات وأساليب استمرار المسيرة في إطارها السلمي، والإبداع في هذه الأساليب من مقاطعة للبضائع، إلى العصيان المدني، لإرسال رسائل بالهدف السلمي والمغزى السياسي للمسيرة بما فيها داخل «إسرائيل».
وهنا يمكن تفعيل والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه القاعدة نسميها قاعدة الإغراق الإعلامي، بمعنى جعل خبر المسيرة خبراً محلياً في حياة المواطن أينما كان. والخطوة الأخرى تجنب الأعمال العسكرية من إطلاق للصواريخ، أو القيام بأي عمل عسكري لأن من شأن ذلك أن يجهض كل أهداف المسيرة السلمية. والخطوة الرابعة تنويع الأنشطة المدنية، وإبراز دور الطفولة والمرأة فيها، بعمل معارض ميدانية للرسم مثلا. والخطوة الخامسة الحفاظ على الهوية الشعبية للمسيرة لتعلو على الروح الفصائلية والحزبية الضيقة، والخطوة السادسة الضغط في اتجاه إنهاء الانقسام السياسي والتسريع في عملية البناء السياسي لكل المنظومة السياسية الفلسطينية. ولعل من الخطوات المهمة العمل، قيام خلال لجان من الكتاب والمفكرين والأكاديميين لصياغة ميثاق سياسي للمسيرة يكون ملزما لكافة القوى السياسية. متضمناً الأهداف والغايات والوسائل، بما يضمن الاستمراراية والديمومة. فبقدر الديمومة بقدر تحقيق النتائج. وبالتالي يكون الهدف المباشر للمسيرة العمل والضغط على المجتمع الدولي لإنهاء الاحتلال «الإسرائيلي»، وقيام الدولة الفلسطينيه المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.
ومن المتطلبات الأساسية لإنجاح المسيرة وصولا إلى تحقيق أهدافها البعيدة توسيع المشاركة السياسية في إدارتها بإتاحة الفرصة أمام الجيل الشاب من الجنسين لإدارة شؤونهم، وتدريبهم على اتخاذ القرارات المصيرية، والابتعاد عن الهيمنة والسيطرة الحزبية التقليدية.
المسيرة في حاجة لرؤية وطنية واستراتيجية شاملة، على ألا تعمل بعيداً عن الإطار المؤسساتي السياسي، أي بمعزل عن مؤسسات السلطة، ومؤسسات المجتمع المدني، لأنه في النهاية المسيرة في حاجة لحاضنة سياسية ومجتمعية قادرة على إمدادها بالمؤن الاستراتيجية التي تقوي من عضدها، وصب الدعم بكل أشكاله للمسيرة. وهنا قد يبرز الدعم من قبل رجال الأعمال في الداخل وعلى المستوى العربي، وفتح صناديق دعم للمسيرة.
كل هذه التصورات قد تضمن للمسيرة الديمومة والاستمرارية والنجاح. وإذا كان هناك حرص على الدم الفلسطيني في مواجهة آلة الحرب «الإسرائيلية» المتربصة على طول الحدود والجاهزة للقتل بأوامر من القيادات السياسية والعسكرية العليا، فتلك ضريبة يدفعها الشعب الفلسطيني ومستعد لدفعها، لأن هكذا نظام عنصري إرهابي لن يستسيغ أي عمل سلمي هدفه استرداد الحق، فتاريخه شاهد على مئات المجازر التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني من أجل محوه من الوجود وتصفية قضيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق