المقالات

مفارقة نهضوية .. خيري منصور

لم يكن العالم العربي قبل قرن يعج بالجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث، وكان عدد المتعلمين في القرن التاسع عشر لا يزيد عن المئات كما يقول المؤرخ الجبرتي، كما أن الوطن العربي كله كان يرزح تحت الاحتلال أو الانتداب بعد أن ورثه الاستعمار الغربي عن الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها وتفككها، وبالرغم من ذلك ظهرت كوكبة من المفكرين الذين كانت رسالتهم تتلخص في التنوير لأنهم كانوا يقارنون بين أوضاع مجتمعاتهم البائسة وما تفرزه من شقاء وبين الغرب، فما شاهده رفاعة الطهطاوي في باريس وزكي مبارك ومحمد عبده والكواكبي في عصرهم أثار لديهم أسئلة بلغت حد المساءلات، وتنبه الإمام محمد عبده إلى أن الخطر الذي قد يحيق بالإسلام هو من داخله وقال بالحرف الواحد إنه يخشى عليه من العمائم.
وقد لا يعرف الناس أن الإمام عبده اصطدم بأبناء جيله ممن فهموا الإسلام على هواهم وليس كما هو في مرجعياته، وذات يوم شاهد المصلين يتوضؤون من حوض الماء فيه عكر وآسن، وكانوا يعتقدون أن ذلك أفضل من الماء الجاري أو الصنابير بل قال المتطرفون منهم إن الصنابير حرام ولا تجوز للوضوء، ولأن الإمام كان على دراية بشعاب دينه ودنياه أحضر لهم قولاً لأبي حنيفة يحلل فيه استخدام الصنابير أو ما نسميه الحنفية، والمفارقة أن اسم الحنفية الذي ساد بعد ذلك كان نسبة لأبي حنيفة.
والكواكبي في طبائع الاستبداد تنبه إلى أن الطغيان قد يمارس باسم الدين أيضا، فكان رائداً تنويرياً بامتياز وتخيل أن للاستبداد سلالة من أسلاف وأبناء وأحفاد، فكيف سبقوا أحفادهم إلى الكشف عن المسكوت عنه في ثقافة تسللت إليها الخزعبلات والخرافات؟ وكيف كانوا أكثر جرأة من أحفادهم بل أحفاد أحفادهم وهم يفصلون بين قمح الحقائق وزؤان الخرافات والأوهام!
أليست مفارقة أن نقرأ للنهضويين العرب ما كتبوه قبل أكثر من قرن ما لا نجده في عصر آلاف الجامعات؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق