المقالات

الأبارتهايدية «الإسرائيلية».. علي قباجه

حينما نعود لقصة الموسيقي الذي طُلب منه بعد شرحه مقطوعة موسيقية، أن يُعيد شرحها مرة أخرى، فقال: «إن إعادة شرحها يكون بالإصغاء الجيد لها»، وهذا ما يُمكن إسقاطه على «إسرائيل»، التي تدعي كذباً بأنها تمارس «الديمقراطية»؛ حيث إن من يريد فهم حقيقتها العدوانية، عليه أن يتأمل ويصغي بكليته لأفعالها، وعندها سيدرك أن هذه الحرباء، التي ما فتئت- خلال احتلالها- تتلون حسب مقتضيات مصالحها، لن يجدي معها أي سلام، وأن اتفاقات السلام معها ضرب من الخيال، وأنه ينبغي أن يدرك المهرولون لمد يد الصلح لها، بأنه لا طائل من سعيهم؛ فمن شب على العدوان وسرقة ما ليس له، لن يشيب على السلام والمحبة.
«إسرائيل» لم تكتف بعدوانها اليومي، الذي يطال كل ما هو فلسطيني؛ ممارسة اتجاهه أفظع الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية؛ بل إنها تعدت ذلك إلى تشريع قوانين «الأبارتهايدية»، لتسلب أهل الأرض أرضهم في تحد صارخ للإرادة الدولية، التي تنادي ب«حل الدولتين»، فأي حل يمكن أن يكون في ظل قانون «يهودية الدولة»؟ مع التحفظ أصلاً على ما يسمى حل الدولتين.
الدول حديثاً تتجه نحو «الديمقراطية»، بينما تتجه «إسرائيل» نحو الأيديولوجية العنصرية بأقذر صورها، مستهدفة بذلك الفلسطينيين في ال48؛ لتلغي الشخصية والثقافة الفلسطينية، وتفرض العبرية لغة رسمية لها، وما يثير الاشمئزاز أن كافة البنود تثبت الصلف الأبارتهايدي لهذا المحتل. ليس هذا فحسب؛ بل إن هذا القانون يحاول التغطية على التاريخ الحقيقي لفلسطين؛ حيث يعدها ببنده الأول الوطن التاريخي للأمة اليهودية، وأن اليهود هم من يملكون حق تقرير مصيرهم في هذا الوطن! ليؤسس من خلال ذلك للبند الخامس، الذي يُجيز لأي يهودي من أصقاع الدنيا أن يهاجر لفلسطين في حين يمنع الفلسطينيون من العودة إلى أرضهم، مطالباً، بكل تبجح، الدول التي تستضيفهم بأن توطنهم.
الأبارتهايدية «الإسرائيلية» لا حد لها، والمتأمل في حال هذا المحتل يرى فيه العجب العجاب؛ فهو يدعي بأنه صاحب دولة، ويسن قوانين لتأطير هذه الدولة المزعومة، في حين أنه يرفض أن يكون ل«دولته» أي حدود، ويدعها ممتدة تبعاً لأطماعه، ليقتطع بين الفينة والأخرى أرضاً من هنا وأخرى من هناك ثم يدعي-زوراً- ملكيته لها؛ لأن أطماعه العدوانية لا تحدها فلسطين بأكملها، وفوق كل ذلك يزعم أمام العالم أنه تعرض للاضطهاد على مر تاريخه بدءاً بادعاء سبي الآلاف في بابل مروراً ب«الهولوكوست» المشكوك في صحته وربما ليس انتهاء بشكواه المستمرة من الاعتداء الفلسطيني عليه بالطائرات الورقية! دون أدنى خجل من ذلك.
القانون الأبارتهايدي الأخير الذي سنّه الاحتلال مرده، ارتفاع معدلات الولادة لدى عرب ال48، ما حدا به للتخوف من التغير الديموغرافي، الذي تحدثه هذه الزيادة، فلجأ لهذا القانون العنصري؛ لكن المحتل «الإسرائيلي» ربما نسي أو تناسى أن الفلسطينيين لم ولن يأبهوا لأي قانون تتخذه قوة الاحتلال، فهم قد حددوا مسار بوصلتهم، ولن يثنيهم عنها أي عدوان مهما بلغت درجته، وأن فلسطين ولّادة أبطال لو مات كبيرهم؛ فإن صغيرهم لن ينسى أرض الآباء وإرث الأجداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق