المقالات

مصابيح حنّا مينة الزرق … يوسف أبولوز

ترك حنّا مينة وراءه نحو 44 كتاباً، منها 34 رواية، والباقي ما أنجزه من قصص قصيرة ودراسات، واهتمام خاص بالشاعر التركي ناظم حكمت، والعصب السردي في رواياته يقوم على البحر، هو الذي اشتغل بحاراً وهو صبي، ولكن حياة مينة الأخرى، خارج البحر، بدءاً من طفولته ومروراً بالمهن التي اشتغلها، وانتهاء بمنافيه الاختيارية في الصين والمجر.. كان ذلك كله شبه منسيّ عند صاحب «الشراع والعاصفة»، ففي حياته من تفاصيل من يشكل سردية روائية أخرى موازية لسردية البحر بقلم هذا الكاتب الاستثنائي، الذي نما مثل ساق السوسن في حيّ شعبي فقير، سكانه أميون وتحت خط الفقر اسمه «المستنقع» في مدينة الإسكندرونة، وفي الخامسة عشرة من عمره، يأخذ هذا الفتى النحيل بالكتابة وعلى الأكياس، وينجو من ضربة خنجر صوّبها له زبانية الفرنسيين الذين تربّصوه لنشاطه السياسي المعادي للاستعمار وأزلام النظام.
نعم، في حياة حنّا مينة، واعترافاته ووصفه للبيئات التي عرفها صبياً وشاباً ورجلاً، أكثر من رواية. يقول: «طوال أربع سنوات كنت أقوم مع بعض أطفال المدرسة بالخدمة في الكنيسة، نطفئ الشموع، نحمل الأيقونات، وننام أحياناً واقفين، بكلمة صلّيت بما فيه الكفاية، أنا مطمئن من هذه الناحية، وفي باحة المدرسة والكنيسة كانت ثمة قبور يونانية قديمة، وعلى أحدها كان مجلسي في ساعات الضيق والغربة والجوع وفي أحيان غير قليلة، على هذا القبر تعلمت أن أحلم بالمدينة الفاضلة، قبل أن أعرف اسمها».
لكن، فارس بطل روايته «المصابيح الزرق» هو نفسه كما يبدو حنّا مينة، وهي الرواية التي صدرت في العام 1954، وكان مينة في الثلاثين من عمره عندما كتب هذه الرواية، التي قدمته للوسط الثقافي السوري والعربي بقوة، وحفرت اسمه على سلم الرواية الإنسانية الواقعية، من عرق الناس وشقائهم وحلمهم بالكمال الإنساني، وسوف يحتاج حنّا مينة إلى ثلاث سنوات، لكي ينجز هذه الرواية المهمة في تاريخه الأدبي.
الطبعة الثانية من رواية «المصابيح الزرق»، كانت في أكتوبر/تشرين الأول 1975، والطبعة الثالثة جاءت في يونيو/حزيران 1979، وفي هذه الطبعة نتعرف إلى يوميات كتابة الرواية وقلق حنّا مينة في الكتابة، من خلال تفاصيل ذكرها الشاعر شوقي بغدادي، الذي وضع مقدمة لهذه الطبعة الثالثة من هذه الرواية، التي أخذت اسمها «المصابيح الزرق»، من لجوء الناس في الحرب إلى طلاء زجاج نوافذ بيوتهم ومصابيحهم وقناديلهم باللون الأزرق، الذي يساعد على تضليل إصابة البيوت ليلاً بشكل خاص.
يذكر شوقي بغدادي أن حنّا مينة أعلن لأصدقائه من كتاب وأدباء، أنه بصدد عمل روائي؛ أي أنه لم يتكتم على رواية، بل كان يومياً يعرض ما يكتبه على رفاقه، بدءاً من مسودة الصفحات الأولى «.. فيأخذه أكثر من واحد من الناس بالنقد القاسي حيناً، والرفيق حيناً آخر، فيسمع حنّا إلى كل ما يُقال، ويصغي بعينين براقتين وابتسامة لا تفارق ثغره، ثم يخلو إلى ما كتبه كي يعيد النظر فيه، وكثيراً ما كان يمحو صفحات طويلة كاملة، كي يكتبها من جديد لأنه اقتنع بوجهة نظر أخرى».
نقطة أخرى أشير إليها هنا، وهي الطاقة المسرحية السلسة التي يمتلكها حنّا مينة مع أنه لم يكتب المسرح، حيث تمتلئ رواية «المصابيح الزرق» بمشاهد حوارية كثيرة، لكن محكومة دائماً، إلى طبيعته السردية الباهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق