المقالات

الديمقراطية المجتمعية والعدالة الاجتماعية الحسين الزاوي … الحسين الزاوي

يحتفل العالم هذا الأسبوع بالذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي قامت الأمم المتحدة باعتماده منذ 70 عاماً في 10 كانون الأول/ ديسمبر من سنة 1948، واللافت أن هذه الذكرى تعود هذه السنة والعالم يشهد اضطرابات كبرى على خلفية انتشار الحروب والنزاعات وتراجع حقوق المواطنة، وذلك فضلاً على تزايد الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في الدول الكبرى، تزامناً مع تصدر قوى اليمين الشعبوي للمشهد السياسي في العديد من دول العالم، وتذكرنا الاحتجاجات وأحداث العنف في العواصم الأوروبية لا سيما في باريس، بأن مسألة حقوق الإنسان لم تحسم بعد، وأن البشرية ما زال أمامها مشوار طويل وصعب من أجل الخروج من عنق الزجاجة وتحقيق حياة أفضل للكائن الإنساني.
ويمكن القول: إنه وبعد عقود من انطلاق آلية التداول السلمي على السلطة في الديمقراطيات الغربية العريقة، عاد سؤال حقوق الإنسان ليطرح نفسه من جديد بكثير من الإلحاح بالنظر إلى التراجع غير المسبوق للمكاسب الاجتماعية التي حصل عليها المواطن في دولة الرعاية الحديثة، وذلك من منطلق أنه وبموازاة تداول الأشخاص والأحزاب للحكم، لم يحدث في المقابل تداول حقيقي للأفكار والبرامج، حيث تعجز أحزاب السلطة التقليدية عن تقديم بدائل سياسية حقيقية للمواطنين، وبالتالي فهي تتركهم فريسة سهلة بين يدي قوى اليمين المتطرف التي تسعى إلى القيام بإعادة نظر جذرية لمنظومة الحكم ولمجموع القيم والتمثلات المتعلقة بمشروع المجتمع.
وتعزز الأحداث الراهنة في فرنسا من قناعة الكثيرين حول العالم، بأن الأنظمة الليبرالية المعاصرة عملت على اختزال عناصر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عنصر واحد يتعلق بالحريات السياسية والمدنية وحرية التعبير، لكنها أغفلت بشكل كبير العنصرين الآخرين، اللذين يشيران إلى المساواة وإلى الكرامة الإنسانية، من منطلق أن حقوق الإنسان لا يمكن التعامل معها بطريقة انتقائية.
هناك حاجة ملحة للانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية المجتمعية، التي ليست مرادفة للديمقراطية الاجتماعية التي تتبنى مبادئها بعض الأحزاب ذات التوجهات الاشتراكية في الدول الإسكندنافية وفي ألمانيا، إنها ديمقراطية تركز في المقام الأول على تطوير المجتمع وعلى خلق حركة ديناميكية بداخله، أكثر مما تركز على اختيار الأشخاص من أجل تبوّؤ مناصب قيادية في مؤسسات الدولة. ويشير هنري شاينو دوبوي في هذا السياق إلى أن الديمقراطية المجتمعية تمس كل سلالم ومستويات الحركة المجتمعية وتتجاوز مستوى ممارسة الانتخاب السياسي نحو مستويات المبادرة الجماعية لتجاوز الوضعيات المأزومة وبناء الخير المشترك من خلال تعاقد كل الأطراف على تحقيق هدف جماعي، وبالتالي فالديمقراطية المجتمعية تفتح مجال الكلمة المشتركة وتتيح إمكانية التعبير المجتمعي للمواطنين.
إن الديمقراطية المجتمعية ذات الأبعاد التشاركية وليس – فقط – المباشرة، تجعل الممارسة الديمقراطية فعلاً مستمراً وليس مجرد تحرك سياسي موسمي يتكرّر خلال المواعيد الانتخابية، وتتحول بذلك إلى فن تنفيذي عملي يستوجب اتخاذ الحيطة والحذر من قبل الجميع لكي لا تكون تجسيداً لنظام مؤسساتي أجوف يجري فرضه من خلال نصوص دستورية لا تعكس واقع المجتمع، لأن الانتخاب والتمثيل على مستوى الهيئات التشريعية والتنفيذية أو حتى القضائية كما هو الشأن بالنسبة للنموذج الأمريكي، ليسا سوى أداة أو طريقة ولا يمكنهما أن يكونا بديلاً للمبادئ الديمقراطية، ونستطيع من ثمة إعادة النظر فيهما وطرحهما للنقاش، كما يمكننا أن نتصور طرقاً وأساليب بديلة عنهما من أجل ترجمة هذه المبادئ إلى أفعال.
نخلص إلى الاستنتاج في الأخير إلى أن الممارسة الديمقراطية في الغرب أفرغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من محتواه، حيث عملت بشكل تدريجي على استبدال حرية الأفراد بحرية وسائل الإعلام الكبرى التي شوّهت الفضاء العمومي عندما استبدلت الكلام الحي والمباشر للناس بالكلام الافتراضي الذي تنسبُ مضامينه لذواتهم المُغفلة، كما أن هذه الممارسة أرادت أن تفصل الحرية عن مبادئ العدالة الاجتماعية والحقوق السياسية وعن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في عالم تتزايد فيه الفوارق بين البشر وتعجز فيه دول عديدة عن توفير الأمن والغذاء والتغطية الصحية اللازمة لمواطنيها. وعلاوة على ذلك فإن منظومة حقوق الإنسان العالمية بدأت مع مرور الوقت، تفقد طابعها الكوني بالنسبة لدول وأنظمة سياسية ترفض المساواة بين السكان الأصليين والوافدين وتنظر إلى المهاجرين نظرة إقصائية وعنصرية.
يكمن إذن، التحدي الأكبر بالنسبة للمجتمعات الإنسانية المعاصرة، في أن الإعلانات الحقوقية على أهميتها وتنوعها تمثل في مجموعها منظومة أفكار ذات منطلقات دينية وفلسفية سامية وراقية، لكنها تفتقد لخريطة طريق تسمح بانتقالها من خانة المبادئ إلى دائرة الفعل، في سياق نسق مجتمعي لا يضحي بالحقوق من أجل كسب رهانات التحديات الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق