المقالات

الحصاد السياسي لانتفاضة كانون الأول 1987 ومآلاته د. ماهر الشريف

عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية في التاسع من كانون الأول 1987، كان التناقض العميق بين الغالبية الساحقة من سكان المناطق الفلسطينية المحتلة، المتماهية مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبين الاحتلال الإسرائيلي قد وصل إلى ذروته، وكان قد تمرس في معمعان الكفاح الجيل الذي ولد وترعرع في ظل الاحتلال وتشرب العداء له ولوجوده.
ومن هنا، عرفت الانتفاضة إجماعاً وطنياً لا سابق له، تجلى في مساهمة مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية في فعالياتها التي اتخذت شكل إضرابات يومية، ومواجهات شوارع، وحملات مقاطعة أجهزة “الإدارة المدنية” والمنتوجات الإسرائيلية، والامتناع عن دفع الضرائب، وشهدت، منذ أسابيعها الأولى، بروز لجان شعبية ومحلية في المدن والقرى والمخيمات، نشطت في تنظيم حياة المواطنين اليومية وتوفير متطلباتهم الغذائية والصحية والتربوية والأمنية، كما شجعت ظواهر العمل التطوعي والاكتفاء الذاتي والتكافل الاجتماعي بين صفوفهم.
ومن جهة أخرى، ساهمت الانتفاضة في حدوث تحوّل تاريخي على توجهات التيار الإسلامي، ممثلاً في الأساس في جماعة “الأخوان المسلمين”. فحتى اندلاع الانتفاضة الشعبية، لم تلعب هذه الجماعة دوراً فاعلاً في التصدي للاحتلال الإسرائيلي، بل ظلت قيادتها تعتبر أن الوقت لم يحن بعد لإعلان “الجهاد”، وأن المرحلة “لا تزال مرحلة إعداد وتربية الجيل الإسلامي الذي سيقود عملية تحويل المجتمع إلى مجتمع إسلامي كمقدمة لإعلان الجهاد”.
وقد تسببت مواقف قيادة الجماعة هذه في إحداث فرز بين صفوفها وشجّعت على تشكيل “حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين”، التي يُعتقد أن نواتها الأولى قد انبثقت في نهاية السبعينيات في مصر بين صفوف عدد من الطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية، ومرت، قبل الكشف عن وجودها، في منتصف الثمانينيات، بمراحل تحضيرية عديدة.
وقد انشدّ مؤسسو هذه الحركة، وعلى رأسهم الشهيد فتحي الشقاقي، إلى تجربة الثورة الإسلامية في إيران، وأعطوا الأولوية في نشاطهم للنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي على قاعدة المزج بين الدين والوطنية، وتبنّي إستراتيجية الكفاح المسلح في محاربة الصهيونية. ولدى اندلاع الانتفاضة الشعبية، وبغية الحفاظ على نفوذها وتعزيزه، بادرت قيادة جماعة “الإخوان المسلمين” إلى تشكيل “حركة المقاومة الإسلامية”(حماس)، التي تأسست في قطاع غزة، ثم مدّت نشاطها، في كانون الثاني 1988، إلى الضفة الغربية.
وشاركت هذه الحركة في البدء في مواجهات الشوارع وفي الإضرابات، ثم راحت تنخرط في أعمال مسلحة ضد أهداف إسرائيلية من خلال جناحها العسكري الذي حمل اسم “كتائب عز الدين القسام”، وصارت تبرز، من خلال نشاطاتها المستقلة، بوصفها إطاراً منافساً وموازياً لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً بعد أن وزعت، في 18 آب 1988، ميثاقها الذي اعتبر أن أرض فلسطين”أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها”، وأن فكرة الدولة العلمانية التي تتبنّاها منظمة التحرير”مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة”، وأنه لا يمكنها أن تستبدل “إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية” بالفكرة العلمانية.
“إعلان الاستقلال” الفلسطيني
فتحت انتفاضة كانون الأول 1987 آفاقاً جديدة أمام النضال الوطني الفلسطيني، فهي كرّست انتقال مركز الثقل في النضال الوطني الفلسطيني نهائياً من الخارج إلى الداخل، وأحيت دور منظمة التحرير الفلسطينية السياسي الذي كان قد تجمد عملياً إثر فشل مشروع إجراء حوار بين الإدارة الأميركية ووفد أردني-فلسطيني مشترك على قاعدة “اتفاق عمان”، كما خففت من ضغط المحاور العربية المختلفة على قيادتها.
وتركت الانتفاضة تأثيرات كبيرة على الفكر السياسي الفلسطيني وتطوره، وذلك بعد أن ركّزت قيادتها الوطنية المشتركة، التي ضمت ممثلين عن حركة “فتح” والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي الفلسطيني – حزب الشعب، حالياَ -، على هدفَي الحرية والاستقلال، وشجعت منظمة التحرير الفلسطينية على طرح مبادرة سياسية للتوصل إلى حل سلمي للصراع مع إسرائيل. ولهذا الغرض، انعقدت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، ما بين 12 و15 تشرين الثاني 1988، وأصدرت في ختام أعمالها “إعلان الاستقلال”، الذي أعلن “قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف”، باعتبارها “دولة عربية [و] جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية، من تراثها وحضارتها، ومن طموحها الحاضر إلى تحقيق أهدافها في التحرر والتطور والديمقراطية والوحدة”، ولتكون دولة “للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطوّرون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق وتصان فيها معتقداتهم الدينية وكرامتهم الإنسانية”.
وقد تضمن هذا الإعلان موافقة منظمة التحرير الفلسطينية، لأول مرة منذ نشوئها، على قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، وذلك عندما أشار إلى أنه “مع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، بتشريده وحرمانه من حق تقرير المصير، إثر قرار الجمعية العمومية رقم 181 لعام 1947 الذي قسّم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، فإن هذا القرار ما زال يوفّر شروطاً للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي في السيادة والاستقلال الوطني”. وعلى الرغم من المعارضة التي أبدتها فصائل رئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية، فإن البيان السياسي الصادر عن تلك الدورة أعلن موافقة المنظمة على قرارَي مجلس الأمن رقم 242 و 338 كأساس لانعقاد المؤتمر الدولي للسلام، بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى، وجدد، بعد أن أكد “حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي”، رفضه “الإرهاب بكل أنواعه، بما في ذلك إرهاب الدولة”.
فك الاتباط بين الأردن والضفة الغربية
وعلى الصعيد العربي، أعادت الانتفاضة للقضية الفلسطينية أولويتها على سلم الاهتمامات العربية، بعد أن كان مؤتمر القمة العربي، الذي انعقد في عمان في تشرين الثاني 1987، قد تجاهلها، مركزاً اهتمامه على الحرب التي كانت تدور آنذاك بين العراق وإيران. كما دفعت الحكومة الأردنية، في 28 تموز 1988، إلى الإعلان عن إلغاء الخطة الأردنية للتنمية في المناطق الفلسطينية المحتلة، “إيماناً من الأردن بأن الشعب الفلسطيني هو الطرف الأساسي في حل قضيته، ودفعاً لأي شبهة قد تنشأ حول تعامل الأردن مع الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة”، وهو الإلغاء الذي تبعه قيام الملك الراحل حسين، في 31 من الشهر نفسه، بالإعلان عن “فك العلاقة القانونية والإدارية بين الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن”، وذلك بعد أن تبيّن – كما ورد في خطابه- “أن هناك توجهاً فلسطينياً وعربياً يؤمن بضرورة إبراز الهوية الفلسطينية بشكل كامل في كل جهد أو نشاط يتصل بالقضية الفلسطينية وتطوراتها، كما اتضح أن هناك قناعة عامة بأن بقاء العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية، وما يترتب عليها من تعامل أردني خاص مع الأخوة الفلسطينيين تحت الاحتلال من خلال المؤسسات الأردنية في الأرض المحتلة، يتناقض مع هذا التوجه مثلما سيكون عائقاً امام النضال الفلسطيني لكسب التأييد الدولي للقضية الفلسطينية”.
التأكيد على توفير الحماية الدولية للفلسطينيين والاعتراف بإعلان دولتهم
أما على الصعيد الدولي، فقد حرّكت الانتفاضة، بطابعها الشعبي والديمقراطي، موجة واسعة من التعاطف مع الشعب الفلسطيني، وعرّت، بعد أن تكشفت وحشية الأساليب القمعية التي لجأت إليها قوات الاحتلال الإسرائيلي بغية وضع حد لها، الدعاية التي نجحت سابقاً في تصوير إسرائيل بصفتها “واحة الديمقراطية” في “صحراء” الشرق الأوسط. وساعد هذا التعاطف، الذي صارت تبديه قطاعات واسع من الرأي العام العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني، على زيادة الاهتمام الدولي بتأمين الحماية لسكان المناطق الفلسطينية المحتلة وتنشيط المساعي والجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية.
فبعد أقل من أسبوعين على اندلاع الانتفاضة، تبنّى مجلس الأمن الدولي، في 22 كانون الأول 1987، قراراً حمل الرقم 605، بأغلبية 14 صوتاً وامتناع المندوب الأميركي عن التصويت، شجب “بشدة ما تتبعه إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، من سياسات وممارسات تنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة”، مؤكداً أن “إتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، المؤرخة في 12 آب 1949، تنطبق على الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى التي تحتلها إسرائيل منذ سنة 1967، بما فيها القدس”. ودعا مجلس الأمن، في قراره المذكور، الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن يدرس الحالة في الأراضي المحتلة وأن يقدم تقريراً يتضمن توصياته بشأن الطرق والوسائل الكفيلة بضمان سلامة وحماية المدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي. أما الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد تبنت، في كانون الأول 1988، قرارين جديدين حول القضية الفلسطينية، دعت في الأول منهما، الذي حمل الرقم 43/176، إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية “على قدم المساواة” مع أطراف الصراع الأخرى، واعترفت في الثاني، الذي حمل الرقم 43/177، “بإعلان دولة فلسطين الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني في 15 تشرين الثاني 1988″، وقررت أن يُستعمل في الأمم المتحدة اسم “فلسطين”، اعتباراً من 15 كانون الأول 1988، بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية، على أن لا يُمس بمركز المراقب الذي تحتله المنظمة ولا بوظائفها في منظومة الأمم المتحدة.
تعزيز مواقع قوى السلام في إسرائيل
ومن جهة أخرى، تركت الانتفاضة، بطابعها الشعبي وشعاراتها السياسية وأسلوب المقاومة المدنية غير المسلحة الذي ابتدعته، تأثيراً لا سابق له على المجتمع الإسرائيلي نفسه، إذ أدّت إلى تعزيز مواقع قوى السلام الإسرائيلية، وأجبرت الأوساط الحاكمة في إسرائيل على الوقوف وجهاً لوجه أمام قضية الشعب الفلسطيني الوطنية والتعامل بجدية، لأول مرة، مع سبل حلها. ومع أن الفلسطينيين في إسرائيل عبروا عن دعمهم الكامل لانتفاضة أشقائهم في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، فإن نشاطاتهم في هذا المجال لم تتجاوز، في الواقع، حدود التعاطف والتضامن.
وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد سلمت قبل اندلاع الانتفاضة بسنوات بخصوصية أوضاع الفلسطينيين في ناطق 1948، وبالطبيعة التمثيلية لقواهم السياسية، ولم تعد تطالبهم بأكثر من التعاطف والتضامن مع نضالات بقية أشقائهم، مع حفاظهم على هويتهم الوطنية في وجه كل محاولات الطمس والتذويب الصهيونية.
من سقوط الرهان على “المبادرة العراقية” إلى مؤتمر مدريد
رفضت القوى الإسلامية الفلسطينية بحزم مقررات الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني بمجملها، كما عارضت فصائل رئيسية في منظمة التحرير موافقة تلك الدورة على قرار مجلس الأمن رقم 242. أما قيادة منظمة التحرير، فقد راهنت على أن تدفع “مبادرة السلام” الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية إلى قبول مبدأ التفاوض مع منظمة التحرير، كما راهنت على أن يؤدي الحوار الأمريكي الفلسطيني، الذي انطلق في 16 كانون الأول 1988، إلى إزالة العقبات التي تضعها الحكومة الإسرائيلية أمام عقد مؤتمر دولي للسلام. غير أن هذين الرهانين خابا سريعاً، إذ بقيت الحكومة الإسرائيلية مصرّة على رفض التفاوض مع منظمة التحرير، بينما بقي الحوار الأمريكي الفلسطيني، الذي أبقته الإدارة الأمريكية على مستوى سفيرها في تونس، يدور في حلقة مفرغة، وذلك إلى أن تذرعت تلك الإدارة، في 21 حزيران 1990، بامتناع قيادة منظمة التحرير عن إدانة العملية البحرية المسلحة التي نفذتها على شواطئ تل أبيب، في 30 أيار 1990، إحدى المجموعات الفلسطينية المسلحة، كي تعلن قطع ذلك الحوار.
وهكذا، عندما شرع النظام العراقي بغزو الكويت في 2 آب 1990، كانت قيادة منظمة التحرير تواجه مأزقاً سياسياً خانقاً. فبينما وصلت “مبادرة السلام” الفلسطينية إلى طريق مسدود، كانت الانتفاضة قد أصبحت عاجزة عن تحقيق مكاسب سياسية جديدة للقضية الفلسطينية، بعد أن انحسرت قاعدتها الشعبية وطغت المظاهر السلبية على فعالياتها وفشلت في التحوّل إلى حالة من العصيان المدني الشامل. وبينما تشكّلت في إسرائيل، في آذار 1990، حكومة ترأسها زعيم تجمع “الليكود” إسحق شامير وضمت ممثلين عن الأحزاب والحركات الصهيونية الأكثر تطرفاً، في عداهم بعض أنصار فكرة “الترحيل القسري” للفلسطينيين، كانت موجات الهجرة اليهودية الواسعة إلى إسرائيل من الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية وأثيوبيا، التي ضمت مئات الآلاف من المهاجرين، تضعف العامل الديموغرافي الذي راهن عليه الفلسطينيون على المدى الإستراتيجي. أما الواقع الرسمي العربي، الذي انقسم إلى محورين متعارضين بعد الغزو العراقي للكويت، فقد كان عاجزاً عن ممارسة أي ضغط جدي على الإدارة الأمريكية، كما كان الدعم الدولي الذي كانت تتلقاه منظمة التحرير الفلسطينية قد تراجع كثيراً إثر التغيّرات التي جرت في الاتحاد السوفييتي ودول وسط وشرق أوروبا.
وإزاء هذه الظروف الصعبة، التي خيّمت عليها أجواء الإحباط، تبنّت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية “المبادرة” السياسية التي طرحها الرئيس العراقي صدام حسين، في 12 آب 1990، على قاعدة “الربط” بين كل النزاعات في الشرق الأوسط، بحيث يبدأ الحل لهذه النزاعات بانسحاب إسرائيل “الفوري وغير المشروط” من الأراضي العربية التي تحتلها في فلسطين وسورية ولبنان. ورداً على الرفض القاطع الذي قوبلت به تلك المبادرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف الدولي المناهض للعراق، راحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تركّز في خطابها على “ازدواجية المعايير” في التعامل مع القضايا الدولية، وخصوصاً بعد أن رفضت الحكومة الإسرائيلية استقبال البعثة الدولية، التي قرر الأمين العام للأمم المتحدة إيفادها إلى المناطق الفلسطينية المحتلة بناءً على القرار رقم 672 الذي أصدره مجلس الأمن بالإجماع في 12 تشرين الأول 1990، وذلك استنكاراً لعملية القتل الجماعي التي تسببت فيها، في 8 من الشهر نفسه في ساحة المسجد الأقصى بالقدس، جماعة من المتطرفين اليهود وذهب ضحيتها 18 قتيلاً وأكثر من 200 جريح بين صفوف الفلسطينيين.
وباندلاع حرب الخليج، في 17 كانون الثاني 1991 التي انتهت بهزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت وتدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية، وضع حد لذلك الرهان الفلسطيني على إمكانية الربط بين حل أزمة الخليج وحل أزمة الشرق الأوسط. وصدرت بعد انتهاء تلك الحرب، من داخل منظمة التحرير، انتقادات عديدة لبعض جوانب الموقف الفلسطيني من أزمة الخليج، وخصوصاً عدم المطالبة الصريحة بانسحاب القوات العراقية الغازية من الكويت، كما تركت الحرب انعكاسات سلبية خطيرة على القضية الفلسطينية وعلى أوضاع الفلسطينيين داخل المناطق الفلسطينية المحتلة وخارجها، وتسببت في خروج ما يزيد عن 300000 فلسطيني من الكويت وبلدان الخليج عموماً، وطرحت سؤالاً جدياً حول مصير منظمة التحرير الفلسطينية ودورها السياسي، بعد أن فُرض الحصار السياسي والمالي على قيادتها، وفقدت حليفها الدولي الرئيسي ممثلاً بالاتحاد السوفيتي. كما تسببت الحرب في احتدام جدل فلسطيني واسع بخصوص آفاق المستقبل، تطرق إلى العديد من القضايا، وفي مقدمها قضية الموقف من التحرك السياسي الذي أطلقته إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش [الأب] إثر انتهاء حرب الخليج مباشرة بغية عقد مؤتمر مؤتمر دولي لـ “السلام الشامل” في الشرق الأوسط.
فالإدارة الأمريكية ظلت مصرّة على استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية من مساعي التسوية، وعلى أن تكون المشاركة الفلسطينية في مؤتمر السلام من خلال ممثلين عن سكان المناطق الفلسطينية المحتلة باستثناء سكان القدس الشرقية. وبنتيجة النقاشات الحامية التي دارت في الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في الجزائر ما بين 23 و 28 أيلول 1991، أعلنت قيادة منظمة التحرير، في نهاية المطاف، موافقتها على المشاركة الفلسطينية في مؤتمر السلام من خلال وفد أردني فلسطيني مشترك، واختارت عدداً من الشخصيات الوطنية من الضفة الغربية وقطاع غزة كي يشكّلوا الفريق الفلسطيني في ذلك الوفد.
وقد جوبه قرار المشاركة الفلسطينية في مؤتمر السلام، وفقاً للشروط الأمريكية، بمعارضة شديدة من جانب عدد من فصائل منظمة التحرير ومن جانب القوى الإسلامية، إذ تلاقت قبل أيام قليلة من انعقاد المؤتمر عشرة فصائل، كان من ضمنها الجبهتان الشعبية والديمقراطية وحركتا “حماس” و”الجهاد”، وأصدرت، في 24 تشرين الأول 1991، بياناً دعت فيه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى التراجع عن قرارها بالمشاركة في مؤتمر مدريد “الهادف إلى تصفية قضيتنا الوطنية وبيت المقدس”، كما دعيت الشخصيات التي اختيرت لهذه المشاركة إلى الانسحاب من الوفد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق