المقالات

شيء ما الدولة والثقافة د. حسن مدن

وجهتا نظر ليستا جديدتين، ظلّ أصحابهما في حال سجال حتى اليوم حول علاقة الدولة، أي دولة، بالثقافة.
يقول دعاة وجهة النظر الأولى: إن الثقافة شأن مجتمعي يخصّ أهل الثقافة، الذين عليهم تدبر شؤون هذه الثقافة بأنفسهم، وإن على الدولة بكافة أجهزتها أن تنأى بنفسها وترفع أياديها عنها، ففي ذلك وصاية غير حميدة على الثقافة، وتقييد لحرية الإبداع.. الخ.
أما دعاة وجهة النظر الثانية فيرون العكس تماماً، ذلك أن الثقافة، بنظرهم، شأنها شأن التعليم والطبابة وغيرهما من الخدمات الاجتماعية الملزمة الدولة بتقديمها لمواطنيها، وبالتالي فإن هذه الدولة مطالبة بتوفير ما تستلزمه الثقافة من بنى ومقومات وتنشئة. ومن هنا بالذات أتى مفهوم التنمية الثقافية الذي تتبناه الحكومات، أو الكثير منها، وتدعو إليه المنظمات الدولية المعنية بالشأن الثقافي مثل منظمة «الأونيسكو».
ويجري النظر إلى المبالغ المرصودة للإنفاق على الشأن الثقافي في موازنات الدول كوجه من أوجه قياس مدى تقدم الدولة ورقي فلسفة التنمية فيها، فكلما زادت نسبة هذه المبالغ من مجموع الموازنة العامة للبلد المعني نظر إليه كبلد تتمتع حكومته ببعد النظر والوعي، والعكس صحيح بطبيعة الحال.
نحن ممن يتبنون وجهة النظر الثانية الداعية إلى قيام الدول بالمسؤوليات المنوطة بها في مجال التأسيس لنهضة ثقافية بتوفير ما يلزم ذلك من بنية تحتية متطورة تشمل المسارح والمكتبات ودور السينما وقاعات العرض ومعارض الكتب، وتعميم الخدمة الثقافية على كافة مناطق البلد، فلا تقف عند حدود العاصمة والمدن الكبرى، إنما تشمل الأرياف والمناطق النائية التي غالباً ما تعاني التهميش.
لكننا، في الآن نفسه، ندعو إلى إقامة الموازنة الضرورية بين هذا الدور المطلوب وتوفير مناخ الحرية للديناميات الثقافية في المجتمع كي تنشط دون تقييد، فلا تخضع الثقافة إلى ما يكبل نموها وتأثيرها، فالجدوى ستغيب، أو تضعف إلى حدود بعيدة، في حال توفرت بنية تحتية متطورة للثقافة، ولكن الفعل الثقافي المجتمعي مقيد بالكوابح المختلفة.
الأمر في نهاية المطاف مرهون بفلسفة التنمية التي تتبناها الدولة لا في حقل الثقافة وحده، وإنما في كافة الحقول، فإذا كانت هذه الفلسفة نابعة من الإيمان بالشراكة بين الدولة والمجتمع، وتوفير فضاءات كافية من الحرية للفعاليات المجتمعية، فإنه يمكن الاطمئنان إلى أن الثقافة، مستندة، بالإضافة إلى ذلك على ما في البلد المعني من بنية تحتية ثقافية متطورة، قمينة بأن تتطور وتزدهر، وإن حدث العكس فمآلها الانغلاق والنكوص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق