المقالات

المرأة العربية بين تحديات التغيير وآمال الواقع .. ميسا جيوسي

يعد الثامن شهر مارس / آذار من كل عام يوما يحتفي به العالم بالمرأة أينما كانت، ويرمي هذا الاحتفال الذي يعود تاريخه للعام 1945 اثر انعقاد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس لتكريم المرأة وانجازاتها على كافة الأصعدة والمجالات. وقد قامت الأمم المتحدة بالاعتراف بهذا اليوم كعيد رسمي للمرأة في العام 1977 حيث أصدرت قراراً يدعو دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس، ومنذ ذلك الحين وهذا اليوم يعد رمزا لنضال المرأة في نيل حقوقها ومطالبها حول العالم. وتقوم بعض الدول كالصين بإعطاء المرأة العاملة يوم إجازة كنوع من التقدير.
اليوم و في الثامن من آذار من العام 2019، قد لا تبدو الصورة أجمل بكثير فيما يتعلق بأوضاع المرأة بشكل عام والمرأة العربية بشكل خاص. فقد يبدو أن هناك اختلافا إيجابيا نوعا ما من نواح اقتصادية واجتماعية وسياسية بتفاوت أماكن تواجدها وقوانين وأنظمة الدول التي تعيش بها، لكن لازال أمام نساء العالم الكثير من ما يجب العمل عليه بهدف تحسين ظروف حياتهن. كما أن الفجوة واسعة بكل إشكالها بين ما أنجزته المرأة في المجتمعات الغربية على صعيد القوانين والتشريعات التي تضمن إلى حد كبير إنصافها إن لم يكن مساواتها تماما إلى الرجل في حقول التعليم والعمل والصحة وغيرها من مناحي الحياة. لكن المرأة مثلا إلى يومنا هذا لم تقدم أقصى ما يمكنها فيما يتعلق بمشاركتها الإنتاجية وانخراطها بسوق العمل. فوفقا لدراسة أجراها معهد ماكينزي العالمي؛ فإنه إذا شاركت المرأة في العمل بمقدار مماثل تماما للرجل؛ يزيد الناتج الإجمالي العالمي بمقدار 28 تريليون دولار أمريكي؛ أي زيادة بواقع 26 %عن الزيادة المتوقعة إذا ظلت نسب مشاركة المرأة كما هي. وبالنظر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ فإن سد الفجوة بين الجنسين في معدلات المشاركة في أسواق العمل؛ يمكن أن يزيد الناتج الإجمالي لهذه المنطقة بواقع 47% [1].
وبالانتقال إلى الشرق الأوسط لا تغدو مشاركة المرأة في سوق العمل هي الهم الأكبر والوحيد لها، فيضاف لقائمة التحديات عددا اكبر وأكثر عمقا وخطورة مما تواجهه نظيراتها في دول أخرى، فالمرأة هنا يضاف إلى معاناتها الكثير من التحديات والمعاناة التي تواجه هذا الجزء من العالم، وبالتالي تنعكس عليها بمضاعفة العبء الملقى على عاتقها. ففي كثير من الدول تنعدم القوانين التي تعمل على خلق مجتمعات سوية تتعامل مع المرأة كمكون أساسي من مكونات المجتمع وركيزة هامة أن لم تكن الأهم في رفعته وتقدمه. فلا زالت نسب الفقر و الأمية ونسبة وفيات الأمهات المتعلقة بالحمل والولادة مرتفعة جدا بتفاوت بين الدول.

فمثلا فيما يخص التعليم والالتحاق به في المرحلة الإلزامية تتفاوت نسب تلقي الفتيات للتعليم في الوطن العربي لتصل اقلها في اليمن مسجلة 4 % وهي نسبة مخيفة بينما تصل إلى 100% في دولة الإمارات العربية المتحدة وفقا لآخر الإحصائيات التي أدرجتها منظمة المرأة العربية في تقريرها حول المرأة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية. أما فيما يتعلق بوفيات المرأة المرتبطة بالحمل والولادة فقد تراوحت النسب أيضا فسجلت أقلها في دولة الكويت بواقع أربعة وفيات في العام، بينما وص أكثرها في الصومال بواقع 732 حالة وفاة سنويا، وذلك بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن البنك الدولي للعام 2015. كما ولازال زواج القاصرات يطرق نسبا مخيفة لا قبل للمجتمعات التي تواجه هذه ا لآفة على تحمل تبعاتها. وفي هذا المجال لا بد من العمل على تجريم زواج القاصرات ورفع سن الزواج قانونيا ل18 عام لكلا الجنسين وحث الجهات التشريعية في كافة الدول العربية على الحد من هذه الآفة.

هذا وقد انعكس الحراك القائم فيما بعد “الربيع العربي” سلبا على المرأة في دول كثيرة أهمها اليمن وسوريا والعراق حيث أضحت المرأة في هذه الدول من أكثر الفئات المتضررة فزادت إلى قوائم اللجوء التي تصل نسبة المرأة فيها وفقا للإحصائيات المذكورة في تقرير منظمة المرأة العربية حيث تمثل المرأة حوالي 44%من إجمالي اللاجئين في المنطقة العربية الذين يقدر عددهم بحوالي 8.1 لاجئ ولاجئة.، فزاد وضع اللجوء لتلك النساء فوق عبئهن عبئا. وفي هذا السياق لا تغيب عن المشهد أبدا معاناة المرأة الفلسطينية الممتدة لعقود والتي يعمق من أثرها الاحتلال الإسرائيلي بممارساته الغاشمة.

اليوم ومنطقتنا العربية تواجه تحديات جمة أولها الأمن والأمان والقائمة بعد ذلك تطول، لا بد من الاهتمام بأن لا تسقط قضايا المرأة بين كل هذه التحديات الكبيرة وتهوي لقعر قائمة الأولويات. فالتنمية المستدامة -إن آمكن الحديث عنها في الوقت الراهن- يجب أن تأخذ المرأة بعين الاعتبار كمكون فاعل ورئيسي، وقد كان من المهم جدا ما عملت عليه منظمة المرأة العربية بربط المرأة بالأجندة التنموية 2030. ومن المهم في خلال العمل على تحسين وضع المرأة العربية قولبة هذه الخطوات بما يتماشى مع خصوصية هذه المرأة والأدوار التي تناط بها بما لا يتعارض ومنظومة الأخلاق والثقافة والدين وذلك من شأنه تدعيم تمكينها لا الحد من تطورها ورفعتها إن وظفت كل تلك الأدوات بطرقها المثلى.

في الختام كل عام ونساء العالم برفعة وخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق