المقالات

محمد حجازي يكتب: مؤتمر البحرين.. فلسطين في المؤخرة

يعلم الكثيرون من العرب أن أحد أهم أهداف صفقة القرن هو تغيير وظيفة إسرائيل في المنطقة إلى دولة طبيعية، لم يعد الصراع العربي الإسرائيلي يشكل مكانة كبيرة لدى العرب، تراجعت مكانة القضية الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق، فقد شهدت المنطقة العربية تحولات سياسية كبيرة، أدت إلى انتقال مركز القرار والتأثير من دول المركز إلى دول الأطراف، أي من عواصم مثل دمشق وبغداد والقاهرة إلى عواصم خليجية بعينها، وهذا التراجع يعود لعدة أسباب، منها فشل هذه الأنظمة في تأسيس مفهوم الدولة الوطنية القوية العصرية، فلقد فشلت خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا أدى لأن تصبح هذه الدول رخوة بالمعنى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهذا بدوره أدى إلى تراجع الدور السياسي.

تأثرت القضية الفلسطينية كثيرا بتراجع دور دول المركز، ودفعت الثمن مضاعفا، خاصة بعد أن دفعتنا دول الأطراف إلى جعل الخطر الإيراني يشكل أولوية كبيرة على حساب الصراع العربي الإسرائيلي، وتم تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية تتعلق بحق تقرير المصير والتحرر الوطني والاجتماعي، إلى مجرد بند إغاثي إنساني، نتيجة سياسة الإفقار التي فرضها الاحتلال الاسرائيلي، وممارساته ضد الاقتصاد الفلسطيني الحبيس، علما لو تحرر الفلسطينيين من التبعية الاقتصادية التي فرضتها اتفاقية باريس الاقتصادية، لكان وضع الفلسطينيين أفضل بكثير، ومن الممكن التخلي عن الدعم الخارجي المشروط سياسيا.

إن مكان انعقاد الورشة التي دعت إليها إدارة الرئيس ترامب في المنامة ليس صدفة، بل هناك هدف كبير يقع خلف مكان انعقاد الورشة، وهو: جعل مصالح العرب الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل أهم من الالتزام بالقضية الفلسطينية، وهناك العديد من التصريحات وخاصة من المنامة التي تتحدث عن إسرائيل الدولة الناجحة، حيث لم يعد حل القضية الفلسطينية كما كان إبان أوسلو شرطا للتطبيع مع الدول العربية، خاصة بعد الاكتشافات الهائلة للغاز في منطقة شرق المتوسط، مكانة إسرائيل كدولة مصدرة للغاز “سرقة الغاز الفلسطيني” تعاظمت، فهناك تعاون كبير بين بعض الدول العربية وإسرائيل في مجال تسويق الغاز المكتشف قبالة السواحل الفلسطينية والذي تسرقه إسرائيل وحتى غاز غزة المكتشف من عشرين عاما لم يجد تسويقا له لدى دول الجوار، بفعل الضغوط التي مارستها إسرائيل، بل أكثر من ذلك أن هناك بعض التقديرات الجيولوجية تشير الى أن اسرائيل تسرق غاز غزة بشكل مباشر، لدرجة أن حقول الغاز قبالة غزة ستنضب خلال 15 سنه المقبلة، نتيجة لسرقة إسرائيل للغاز، وفي هذا المجال من المتوقع أن تصبح إسرائيل جزءا أصيلا في أسرة الدول المصدرة للغاز في شرق المتوسط.

يشار في هذا المجال إلى جملة من التصريحات التي أدلت بها الإدارة الأمريكية ومنظمو الورشة إلى أن هدف الورشة هو تمكين الاقتصاد الفلسطيني من النمو إلى جانب الدعم المالي المباشر، ولكن نسي منظمو الورشة أنه في الجامعة العربية اتخذ وفي أكثر من قمة ومجلس قرارات بشأن توفير الدعم المالي، والحماية المالية للفلسطينيين من خلال توفير شبكة الحماية المالية في مواجهة القرصنة الاسرائيلية للمقاصة والضرائب الفلسطينية التي تجمعها بحسب برتوكول باريس الاقتصادي، كان الأولى للعرب أن يدفعوا بحسب قرارات القمة العربية وحتى عندما طلب الفلسطينيون قرضا من العرب لمواجهة سياسة قرصنة الضرائب الفلسطينية من قبل إسرائيل، لم يلتزم أحد باستثناء دولة قطر قدمت قرضا لأسباب سياسية معروفة، ومن هنا بانت أهداف ورشة البحرين العنوان اقتصادي ودعم الفلسطينيين والأهداف سياسية تتلخص بإدخال إسرائيل إلى المنطقة العربية وإحداث تغيير في وظيفتها الاستعمارية العدوانية إلى دولة طبيعية في المنطقة.

هناك قد تبرز بعض الأصوات لتقول لماذا لا يحضر الفلسطينيون مؤتمر البحرين، ماذا سيخسرون إذا كان الهدف تنمية الاقتصاد الفلسطيني، الجواب يكمن في الهدف غير المعلن، لماذا يكون الفلسطينيون جسرا لعبور إسرائيل للمنطقة أساسا، وبدون حصولهم على حقوقهم المشروعة والتي تتلخص بدولة ذات سيادة وعاصمتها القدس على الأراضي التي احتلت في عام 67، بدون شك أن إسرائيل تتحول إلى دولة إمبريالية صغرى في المنطقة هدفها المعلن في كل وثائقها هي الهيمنة على المنطقة العربية تنفيذا للوعد التوراتي.

مؤتمر البحرين يشكل ضربة للمواقف العربية المعلنة في كل القمم العربية الخاصة بالصراع العربي الاسرائيلي، وضربة للمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 في بيروت، وهي تشكل المدخل لتقديم الاقتصاد في صفقة القرن على حساب الفلسطينيين وحقوقهم السياسية، رغم أن فصول صفقة القرن طبقت على الأرض، من خلال قراري الرئيس ترامب بضم القدس للكيان الصهيوني وضم المستوطنات وإلغاء حق العودة من خلال تجفيف الدعم عن الأونروا ومحاولة إحالتها للتقاعد، إلى جانب فرض السيادة على منطقة الأغوار الفلسطينية وهناك محاولات أمريكية بالإعلان عن ضم مناطق (ج) في الضفة الغربية لإسرائيل، لذلك مقاطعة الفلسطينيين لمؤتمر البحرين في محله لأن المؤتمر معروفة أهدافه وغاياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق