المقالات

العدالة بين الدولة والأسرة

الحسين الزاوي

تشير العدالة، إضافة إلى معناها الإجرائي المتعلق بالمؤسسات القضائية وأجهزة المحاكم، إلى الدلالة الأخلاقية التي تميز العلاقة الاجتماعية أو السياسية التي يجد فيها كل شخص أو مجموعة نوعاً من المعاملة المنصفة بناء على النسق القيمي الذي يتبنونه أو اعتماداً على النسق الذي يكون مهيمناً ومتعارضاً في بعض الحالات مع الأول. ويؤكد في هذا السياق برتراند بادي أن ما هو عادل أو ظالم استطاع أن يمثل رهاناً لنقاش مستمر منذ المرحلة الإغريقية التي شكلت فيها العدالة الفضيلة الأولى للمؤسسات السياسية، ولا سيما من حيث تلاؤم العقوبة مع الخطأ المرتكب؛ أو من حيث معيار الاستحقاق مع أرسطو، الذي سيجري تجاوزه من طرف مفكري القرون الوسطى لمصلحة مفهوم الحاجة المستند إلى معايير البر والإحسان، وذلك وصولاً إلى مرحلة العدالة الاجتماعية ومبدأ الفصل بين السلطات لحماية المواطنين من كل أشكال التعسف.
ويمكننا أن نفرِّق في هذا السياق داخل مفهوم العدالة، بين ثلاثة مستويات رئيسية، يتعلق الأول بالمبدأ الأخلاقي أي بواجب احترام ما يعود لكل واحد منا، ويحيل المستوى الثاني إلى العدالة بوصفها فضيلة تكمن في احترام حقوق الأشخاص وفي ممارسة الإنصاف، أما المستوى الأخير، فيرتبط بالعدالة من حيث هي سلطة قضائية، أي مجموع مؤسسات الدولة المكلفة تطبيق القوانين والدفع نحو احترامها، وذلك وفق ما تشير إليه آن بودار وزملاؤها في معجمهم الفلسفي، ومن ثم فإن الرواقيين كانوا محقين عندما اعتبروا أن العدالة فضيلة كونية موضوعها الرئيسي تحقيق خير الإنسانية والحرص على التوازن في هذا الكون.
لقد تطوّرت التصورات المتعلقة بالعدالة عبر الفكر الإنساني، من التمييز الذي أقامه أرسطو بين العدالة التوزيعية والعدالة التبادلية، إلى العدالة كما صاغها في الحقبة المعاصرة جون رولز الذي أكد أن العدالة تشير إلى سياقين رئيسيين، يرتبط الأول بالعدالة بوصفها مساواة في الحقوق والحريات بالنسبة للجميع، وهذا مبدأ قطعي لا يمكن التنازل عنه، ويتصل الثاني بنمط التقسيم المنصف للإيرادات والخيرات اعتماداً على مبدأ الاختلاف الذي نستطيع عرضه وفق الصيغة التالية: يمكن لغياب المساواة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي أن يكون عادلاً بشرط أن يكون التقسيم بناء على مصلحة كل واحد، وبخاصة مصلحة من هم أكثر فقراً.
بيد أن العدالة في ارتباطها الوثيق بالمنظومات السياسية وبأجهزة الدولة قديماً وحديثاً ظلت تفتقر إلى عنصر أساسي في سياق جدلية الصراع بين العدل والظلم، ويتعلق هذا العنصر بالأسرة التي تمثل الخلية الأولى في المجتمع، والتي تشكل عماد الوعي الإنساني في كل ما له صلة بمعاني العدل والإنصاف. يميز جون رولز في هذا المقام بين وجهة نظر الناس كمواطنين وبين وجهة نظرهم كأعضاء في أسر وفي جمعيات مدنية وأهلية أخرى لكي يكون لهم هامش من الحرية في حياتهم الداخلية، وهي حرية تختلف من مجتمع إلى آخر، وقد تتحول إلى عنوان للقهر والإذلال بدعوى احترام الخصوصيات الداخلية للأسر، ولا سيما في المجتمعات التي تهيمن فيها القيم الذكورية.
ومما لا ريب فيه أنه يجب على الأهل والأولياء أن يتبعوا مفهوماً ما للعدالة (أو الإنصاف) والاحترام المستحق لكل من أولادهم. ومن ثم فإن تدخل المجتمع والدولة لمنع الإساءة وإلحاق الأذى في بعض الحالات الشاذة، لا يمنعنا من احترام الحرية الداخلية وترك المجال لسيادة المحبة الطبيعية داخل الأسرة من أجل المحافظة على التوازن في العلاقات بين أفراد الأسرة اعتماداً على إرادة الخير التي يحرص الوالدان على إشاعتها بين الأبناء.
ومن الواضح في كل الأحوال أن انعدام العدالة وغياب الإنصاف في توزيع المهام داخل الأسرة الواحدة بين المرأة والرجل، يؤثران بشكل لافت على التوازن العام داخل المجتمعات والدول، لأن الظلم المسلط على النساء ليس قاسيا على المرأة فقط ولكن على الأولاد أيضا، لأن هذا الظلم يدمِّر – كما يضيف رولز – «قدرتهم على اكتساب الفضائل السياسية المطلوبة من مواطني المستقبل في نظام ديمقراطي قابل للحياة»، إذ لا يمكن تصور فصل كامل ومطلق بين المجالين السياسي والمجتمعي فكلاهما يحيل إلى الآخر، حيث تتدخل مبادئ العدالة لتفرض ضوابطها على كل مكونات الدولة والمجتمع.
وعليه فإن القاسم المشترك داخل مؤسسات الدولة وتنظيمات المجتمع، يرتبط في المقام الأول بقيم المواطنة التي يتساوى فيها الجميع، لأن الأفراد وأعضاء الأسر والجمعيات، جميعهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يحق لا للدولة ولا للأسرة أن تنتهك حقوقهم كمواطنين. وإذا كانت هذه العلاقة المتوترة بين الدولة والأسرة في سياق مبادئ العدالة، تطرح تحديات حقيقية على الديمقراطيات الغربية، فإنها تشكل تهديداً أكبر لمجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تحاول بعض نخبها أن تمنع المجتمع والدولة من المساهمة في ترسيخ ضوابط العدالة داخل الأسرة، وبخاصة فيما يتعلق بعلاقة المرأة بالرجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق