المقالات

الانتفاضة الشاملة لمواجهة تغول الاحتلال ..عوني صادق

في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، نفذت سلطات الاحتلال «الإسرائيلي»، أحدث عملية تطهير عرقي بحكم «المحكمة العليا الإسرائيلية»، فهدمت (16) بناية تشتمل على (100) شقة تسكنها عائلات فلسطينية بوادي الحمّص في بلدة صور باهر وشردت مئات الفلسطينيين. في الرابع والعشرين منه أعلن الرئيس محمود عباس قراره ب«وقف العمل بكافة الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل»! هذا القرار «غير مسبوق»، وإن لم يكن الأول من نوعه، فهو «غير مسبوق» لأنه اتخذ من الرئيس شخصياً، وهو ليس الأول من نوعه لأن المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية سبق لهما أن اتخذا قرارات مشابهة في اجتماعات سابقة (كان الأول في العام 2015، وكان الأخير في العام 2018)، وكانت المشكلة في كل مرة إحالة القرار إلى «لجنة» لدراسة آليات لتنفيذه، ولم ينفذ أي من تلك القرارات، بل وأحياناً لم نسمع عن تشكيل اللجنة التي كان يفترض أن يناط بها أمر التنفيذ!
الحديث «الإسرائيلي» الذي شاركت فيه كل الأحزاب «الإسرائيلية» تقريباً، والعديد من السياسيين وأعضاء الكنيست البارزين والوزراء، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حول ضم الضفة الغربية باعتبارها «إرثاً» يعود إلى شهور عدة، ومجزرة البيوت في صور باهر، أكدت أن النوايا «الإسرائيلية» توضع موضع التنفيذ. لذلك جاء قرار الرئيس عباس ليترك انطباعاً بأن هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، والذي قرأته الصحفية «الإسرائيلية»، عميرة هاس (2019/7/28) بأنه «من أجل تحقيق ثلاثة أهداف: إعطاء الجمهور انطباعاً بأنه ما زال لدى السلطة الفلسطينية ذخيرة في البندقية كي تخلق مرة أخرى مناخاً من التوقع والانتظار، ومحاولة إيقاظ دول أوروبا وحثها على العمل، ومناخ التوقع والانتظار ضروري لتبرير استمرار جلوس زعماء فتح القدامى جداً وغير الشعبيين على الكراسي، من خلال تأجيل غير نهائي لانتخاب مؤسسات تنفيذية مختلفة»!
لا يبدو أن الصحفية «الإسرائيلية» أخطأت القراءة، بدليل ما جاء في الكلمة التي أعلن فيها عباس عن قراره، حيث قال: إن «أيدينا كانت ومازالت ممدودة للسلام العادل والشامل والدائم، لكن هذا لا يعني أن نقبل بالوضع القائم أو الاستسلام لإجراءات الاحتلال»! ولأن سلطات الاحتلال لا تنوي التراجع عن مخططها الهادف لضم الضفة، يكون السؤال: ماذا يمكن أن يعني هذا القرار في الواقع السياسي العملي؟ إذا كان المقصود ممارسة الضغط على الولايات المتحدة والعالم لإيقاف «إجراءات سلطات الاحتلال»، فهو لا يعني شيئاً، لأن مواقف هذه الجهات معروفة وواضحة. وإذا كان المقصود فعلاً «تفعيل» القرار، فهذا يعني باختصار إلغاء «اتفاق أوسلو»، أو التحلل من تبعاته وأولها إنهاء «التنسيق الأمني». لكن هذا يطرح سؤالاً: هل تستطيع سلطة رام الله أن تتحمل تبعات ذلك؟ لقد كانت السلطة الفلسطينية «أهم» ثمرات الاتفاق في الجانب الفلسطيني، وإلغاء الاتفاق يعني بشكل مباشر «حل السلطة»، فهل أصحاب السلطة مستعدون لما يمكن أن يترتب على ذلك من عقوبات وإجراءات يمكن أن تصل إلى السجن أو الترحيل أو القتل؟! من جهة أخرى، وإذا تجاهلنا الاحتمال السابق، فإن البديل المرئي بالنسبة للسلطة هو إعلان الأراضي المحتلة 1967 «دولة تحت الاحتلال» وهذه بدورها تحتاج إلى مواقف وسياسات عملية أولها تأمين «اعتراف دولي» بهذه الدولة، وقد سبق لهذه الفكرة أن طرحت ثم طويت لأسباب عديدة.
على الجانب الفلسطيني الآخر، لقد استنكرت وشجبت فصائل المقاومة مجزرة هدم البيوت، ولم تقصر في توصيفها كسياسة تطهير عرقي، واعتبارها جزءاً من «صفقة القرن»، وخطوة على طريق تصفية القضية الفلسطينية. في الوقت نفسه، رحبت بقرار الرئيس واعتبرته «خطوة في الاتجاه الصحيح»، وطالبت بما كانت تطالب به منذ بداية الانقسام (تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية وترتيب البيت الفلسطيني). لكن لأكثر من عقد من السنوات تابع الجميع فشل كل المحاولات وعدم تحقيق أي من هذه المطالب، ما يجعل بقاء الوضع في هذا الإطار يحمل رسالة لسلطات الاحتلال مفادها: اطمئنوا!!
لقد بات واضحاً أن «الكلام يبقى كلاماً»، وأنه لا سبيل لوضع حد لتغول الاحتلال على البشر والأرض والحجر، والرد على مخططاته وإجراءاته، سوى فعل يتجاوز كل كلام، ويتمثل في فتح الباب لانتفاضة شاملة. لقد بدأ الاعتراف بمنظمة التحرير بالانتفاضة الأولى، وكانت محاولة رفض مخرجات «اتفاق أوسلو» بالانتفاضة الثانية، والوضع الراهن لا يرد عليه إلا بانتفاضة ثالثة. الشعب جاهز، ويبقى أن تتحرك فصائل المقاومة، وأن تثبت السلطة أن قرار الرئيس هو للتنفيذ وليس للاستهلاك. كيف؟ الجواب عند كل الجالسين في مقاعد القيادة.. بتفعيل كل الطاقات المهدورة وليس بالتنظير…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق