المقالات

بريطانيا والخروج من الاتحاد الأوروبي … محمد خليفة

على الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، فيما عرف باسم «بريكست»، فإن الدولة البريطانية ما تزال تتعثر، ولم تستطع تطبيق «بريكست» على أرض الواقع.
وكان من المقرر أن تخرج بريطانيا من الاتحاد في 29 مارس 2019، بعد مرور سنتين على تفعيل رئيسة الحكومة السابقة تيريزا ماي، المادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وبدء عملية الخروج رسمياً بما فيها بدء التفاوض حول اتفاق للخروج، لكن موعد «بريكست» تم تأجيله مرتين.
وقد تولى بوريس جونسون منصب رئيس الوزراء، وسط بيئة سياسية تتسم بالغضب والاضطراب والارتباك. ومع غياب الرؤية الواضحة لديه في ما يتعلق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مقارنة بتيريزا ماي، فإن جونسون سيكافح من أجل الوفاء بوعوده بمغادرة الاتحاد الأوروبي.
وكان مجلس النواب قد وافق يوم الثلاثاء الماضي، على إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في الثاني عشر من ديسمبر، ويأمل جونسون أن تتيح له استعادة الأكثرية وتنفيذ وعده بإخراج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من أن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيفقد بريطانيا عمقها الاستراتيجي، وسيتسبب في عزلها عن محيطها الذي يمدها بوسائل الحياة المختلفة، فإن البريطانيين يرون ذلك مصلحة لهم، بالنظر إلى المشاكل الاقتصادية المستفحلة في أغلبية دول الاتحاد، وأيضاً بسبب العجز عن ضبط موضوع الهجرة غير الشرعية.
وعلى الرغم من أن هناك نسبة لا يستهان بها بين البريطانيين تؤيد البقاء ضمن الوحدة الأوروبية، فإن العودة إلى ما قبل «بريكست» تُعد خطاً أحمر، فالخروج من الاتحاد بات السبيل الوحيد المتاح أمام بريطانيا كدولة ومؤسسات. لكن، لا يبدو هذا الأمر بهذه السهولة، فهناك قضايا حيوية لا يمكن إبرام اتفاق الخروج من دونها، ألا وهي قضية التجارة البينية، وهناك القضية الأخطر وهي الحدود بين إيرلندا الشمالية وجارتها جمهورية أيرلندا.
وقد برزت الحدود بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية كنقطة رئيسية في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكان الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية توصلا في نوفمبر 2018، إلى اتفاق، ولكنه لم يحظ بموافقة نواب مجلس العموم البريطاني؛ إذ رفضوه ثلاث مرات بسبب موضوع الترتيبات التي يتضمنها الاتفاق حول الحدود بين الجمهورية الإيرلندية، ومقاطعة إيرلندا الشمالية.
ففي الوقت الحاضر لا توجد أي نقاط حدود أو حواجز أو أي إجراءات لتفتيش المسافرين والبضائع التي تعبر الحدود بين جزئي جزيرة إيرلندا. وقد تضمن اتفاق الخروج الذي أبرمته حكومة ماي، مع الاتحاد الأوروبي، ضمانات باستمرار هذا الوضع حتى بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، ولكن هذه الضمانات مشروطة بتوصل الطرفين إلى اتفاق شامل للتجارة الحرة من أجل إبقاء بريطانيا ضمن وحدة الجمارك الأوروبية، وإبقاء إيرلندا الشمالية ضمن شروط السوق الأوروبية الموحدة.
وحتى الآن لم ينجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق تجارةٍ مُرضٍ لهما، وهناك من يطالب بأن يتم منح إيرلندا الشمالية وضعاً مختلفاً؛ بحيث تبقى حدودها مفتوحة مع جارتها إيرلندا لضمان السلم في إيرلندا الشمالية، مع وضع حواجز جمركية في باقي النقاط الحدودية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.
ويصر رئيس الحكومة البريطانية جونسون، على أن يلغي الاتحاد الأوروبي موضوع الإجراءات الحدودية في الجزيرة الإيرلندية من اتفاق الخروج، ويريد أن يتضمن أي اتفاق جديد «ترتيبات بديلة» تعتمد التكنولوجيا عوضاً عنها، ولكن الاتحاد الأوروبي يرفض إلى الآن، تغيير الإجراءات التي تضمنتها الاتفاقية مع الحكومة السابقة، ما يعني أن بريطانيا ستترك الوحدة الجمركية والسوق الأوروبية الموحدة.
المملكة المتحدة الآن على مفترق طرق خطر، فإن هي وافقت على وضع خاص بين شطري جزيرة إيرلندا، تخاطر بمستقبلها كدولة موحدة، وإن هي خرجت من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، فستتعرض لأزمة اقتصادية خانقة قد تترك آثاراً كبيرة على مستقبل المملكة المتحدة كقوة اقتصادية كبرى في العالم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق