المقالات

التحديات ومصادر التهديد التي تواجه الفلسطينيين اليوم

التحديات ومصادر التهديد التي تواجه الفلسطينيين اليوم

بقلم: د. خليل الشقاقي

تتعزز يوماً بعد يوم احتمالات أن يجد الفلسطينيون أنفسهم خلال عام 2019 في مواجهة تحديات صعبة مجتمعة، وهو وضع لم يشهد الفلسطينيون مثله منذ نهاية الانتفاضة الثانية في نهاية عام 2004. في آن واحد قد يجدون أنفسهم في مواجهة خطة سلام أمريكية لا يقبلون بها، وانقسام متصاعد نحو انفصال دائم، وأزمة اقتصادية ومالية تهدد بإيقاف عمل العديد من المؤسسات وعدم القدرة على دفع كامل الراتب للعاملين في السلطة الفلسطينية، وأزمة سياسية داخلية تتمحور حول مشروعية النظام السياسي في ظل تفرد مجموعة واحدة بالحكم بدون شرعية انتخابية.

إن قدرة السلطة الفلسطينية على البقاء في ظل هذه الأوضاع غير مضمونة لكنها ليست مستحيلة. تهدف هذه الورقة إلى استعراض هذه التحديات وتحليل الدور الذي تلعبه أطراف مختلفة، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة وحماس والسلطة الفلسطينية وقيادتها في بلورة هذه التحديات وتعميقها. كما تهدف الورقة لطرح توصيات للسلطة الفلسطينية بهدف تعزيز قدرتها على مواجهة هذه التحديات بنجاح.

التحديات الأربعة: 
لا شك إن الفشل في إنهاء الاحتلال وبناء دولة فلسطينية مستقلة يمثل التحدي الأكبر للحركة الوطنية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو، ذلك لأنه حرم الشعب الفلسطيني من نيل حريته وسيادته وتقرير مصيره على أرضه، ومن استغلال مصادر ثروته وتطوير بلده واقتصاده، وجعل ممكناً للاحتلال الإسرائيلي أن يتعزز بمضاعفة عدد المستوطنين أكثر من مرة. إن الفشل في التوصل لاتفاق سلام يشير بوضوح إلى المأزق الصعب الذي تجد الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها فيه. فقد جرت هذه المفاوضات مع أحزاب إسرائيلية من كافة أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي، من اليسار إلى اليمين، وفي ظل رعاية أمريكية ودولية متنوعة تحت إدارات جمهورية وديمقراطية.

في ظل هذا الواقع فإن فرص نجاح إدارة الرئيس ترامب في حمل الأطراف على التوصل للسلام تبدو شبه مستحيلة، فهذه الإدارة هي الأكثر تحيزاً لإسرائيل منذ قيامها، وفوق ذلك، فإن المواقف الإسرائيلية اليوم هي الأكثر تشدداً ورفضاً للمتطلبات الأساسية الفلسطينية الدنيا. كما أن الأجواء الإقليمية وخاصة العربية هي الأقل دعماً لتسوية سلمية نظراً للانشغال القوي بالتهديد الإيراني وبمحاربة الإرهاب واستعداد الأطراف العربية الرئيسية كمصر والسعودية للعمل مع إسرائيل، حتى لو بسرية، مما يشكل حافزاً للطرف الإسرائيلي لتجاهل المسألة الفلسطينية واستغلال الفرصة لتطبيع علاقاته مع العديد من هذه الدول.

كما أن مقاطعة السلطة الفلسطينية للقاءات مع الإدارة الأمريكية يحد من قدرة السلطة على التأثير على الخطوات الأمريكية واسماع رأيها لهذه الإدارة ويتيح للرئيس ترامب معاقبة الطرف الفلسطيني في العديد من القضايا التي تهمه مثل الأونروا واللاجئين والتمثيل الفلسطيني في واشنطن والمعونات الاقتصادية والأمنية وغيرها. كل ذلك يشير إلى أن من شبه المؤكد أن الطرف الفلسطيني سيرفض المقترحات الأمريكية التي قد تعرضها هذه الإدارة بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية. إن من المؤكد أن هذا الرفض الفلسطيني ستقابله ردة فعل عقابية أمريكية جديدة شديدة الضرر باقتصاده وقدرته على تقديم الخدمات لشعبه. كما أنه قد يخلق أجواء تعطي ضوءاً أخضر لإسرائيل لضم مناطق استيطانية ولتوسيع الاستيطان بشكل يقضى نهائياً على فرص حل الدولتين.

إن قدرة الطرف الفلسطيني على مواجهة هذا التحدي الأساسي الذي قد يتبلور سريعاً ستكون محبطة ومقيدة بفشل السلطة الفلسطينية في معالجة التحدي الثاني الذي يواجهها اليوم وهو التمزق والانقسام الداخلي والفشل المتكرر في تحقيق المصالحة واستعادة الوحدة. إن قرار السلطة في كانون أول (ديسمبر) 2018 بحل المجلس التشريعي يشير إلى قناعة هذه السلطة بأن الطريق للمصالحة وإعادة التوحيد قد أغلقت على المدى القصير والمتوسط ويشير إلى أن طرفي الانقسام، فتح وحماس، يساهمان عن قصد أو غير قصد في تعميق الانقسام وتحويله لانفصال دائم. رغم أن المجلس التشريعي لم يجتمع بكامله منذ الانقسام في 2007 فإنه كان رمزاً للوحدة الإقليمية للسلطة الفلسطينية في شقيها في الضفة والقطاع، تماما مثلما يمثل المجلس الوطني الفلسطيني رمزاً لوحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني رغم أن هذا المجلس لم يجتمع لمدة 20 عاماً قبل عام 2018. وكذلك الحال مع استقالة حكومة الوفاق والسعي لتشكيل حكومة جديدة، إذ كانت هذه الحكومة هي المؤسسة العامة المتبقية التي مثلت جهداً مشتركاً من فتح وحماس للعمل معاً، وذلك رغم إسهام هذه الحكومة في تعميق الانقسام بقبولها بدون تحفظ قرارات القيادة الفلسطينية بفرض عقوبات على سكان قطاع غزة شملت تخفيض الدعم لقطاع الكهرباء وخدمات أخرى وتقليص رواتب موظفي السلطة من سكان القطاع.

إن فرض العقوبات على قطاع غزة وحل المجلس التشريعي واستبدال حكومة الوفاق ستعزز من فرص فصل قطاع غزة عن السلطة الفلسطينية مما قد يفتح الطريق أمام حماس وإسرائيل ومصر وقطر وأطراف دولية للعمل معاً لتعزيز سيطرة حماس على القطاع بهدف منع الوصول لانهياره وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية التي يعاني منها مما قد يمنع تدهور الأوضاع نحو حرب واسعة بين إسرائيل وحماس او تحول القطاع لقاعدة للإرهاب ضد مصر وإسرائيل. إن التوصل لترتيبات طويلة الأمد تحت قيادة حماس وبدعم مالي من بعض الأطراف العربية مثل قطر أو الإمارات العربية قد يدفع السلطة الفلسطينية لتقرير المزيد من العقوبات ضد القطاع بما في ذلك التوقف عن دفع الرواتب أو تقديم الخدمات المالية والإدارية الأخرى في مختلف المجالات المدنية كالتعليم والصحة وغيرها. سيؤدي كل ذلك سريعاً إلى الانفصال الدائم بين جناحي الوطن بغض النظر عن نوايا كافة الأطراف المسؤولة عن وصول الوضع لهذه الحالة.

يقلص التحدي الثالث، أي الحفاظ على استقرار مالي ونمو اقتصادي، من قدرة السلطة على المناورة في تعاملها مع كلا التحديين السابقين. إن قدرة السلطة الفلسطينية على تقديم الخدمات للمواطنين في الضفة والقطاع مرتبط بشكل أساسي بالوضع الاقتصادي الفلسطيني وبحجم الدعم المالي والاقتصادي الدولي وباستعداد إسرائيل للالتزام بمسؤوليتها في تحويل أموال الضرائب التي تجمعها للسلطة الفلسطينية. إن وقف المعونات الأمريكية المدنية والأمنية وتقليص أو وقف التحويلات الضريبية سيزيد بشكل كبير من عجز الميزانية الفلسطينية وسيقيد قدرة السلطة على دفع الرواتب أو توفير خدمات أساسية اجتماعية وأمنية. من المؤكد أن السلطة قادرة جزئياً على تحمل هذا العبء لفترة قد تتجاوز السنة إذا استمرت أطراف عربية ودولية في تقديم الدعم لها. لكن هذه القدرة ستأخذ في التضاؤل بعد ذلك وسيكون من غير المؤكد أن تنجح السلطة في فرض النظام والقانون أو توفير الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية لمعظم المناطق الفلسطينية وخاصة تلك التي تقع خارج المدن الرئيسية. كما أن تدهورا اقتصادياً فلسطينياً سيؤثر بشكل قوي على أوضاع قطاع غزة وسيؤدي لاختناق اقتصادي واسع وأزمة إنسانية واسعة النطاق وقد يؤدي ذلك لصراع عسكري واسع النطاق سيعمل على تفاقم هذه الأزمة الإنسانية بشكل أكبر.

لكن هذه السلطة تواجه في الواقع تحدياً رابعاً إضافياً سيسهم هو الآخر في إعاقة قدرة الطرف الفلسطيني على مواجهة الجهود الأمريكية والإسرائيلية في إغلاق الطريق أمام إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة وهو المتعلق بمدى مشروعية النظام السياسي الفلسطيني في غياب الانتخابات وفي ظل سيطرة حزب واحد على الحكم رغم أن هذا الحزب كان قد خسر الانتخابات التشريعية الأخيرة في عام 2006. لا يقتصر هذا التحدي على غياب المشروعية، بل يشمل أيضاً غياب كامل للمساءلة، وضعف بالغ في استقلال القضاء، وقيود على حرية الرأي والتعبير، وإضعاف واسع النطاق لتعددية واستقلالية المجتمع المدني ومنظماته. إن كافة هذه النواقص هي محصلة لسياسات السلطة الفلسطينية وقيادتها خلال السنوات الإثنى عشر الماضية. إن مما لا شك فيه أن لجوء حماس للسلاح في 2007 لحسم صراع سياسي داخلي كان هو المغذي الأكبر لكل هذه الأمراض التي عصفت بالنظام السياسي الفلسطيني. لكن من الصحيح أيضاً أن طبيعة النخبة الحاكمة في الضفة الغربية وخاصة في السنوات الستة الماضية قد أغلقت الطريق أمام أي نوع من المساءلة أو أي فرصة لإحداث تحول ولو بسيط نحو نظام ديمقراطي يحكمه القانون والدستور. لم تفهم هذه النخبة بمعظمها معنى الديمقراطية ووجدت فيها قيوداً لا لزوم لها في سعيها للسيطرة على الحكم. كما أن للصراع الداخلي في حركة “فتح” بين الرئيس محمود عباس ومحمد دحلان تأثيراً مدمراً على قدرة السلطة على الالتزام بحكم القانون أو بنود الدستور، إذ أعطت هذه السلطة لنفسها الحق في نزع الحصانة عن أعضاء المجلس التشريعي، والحق في التحكم في عمل القضاء، والحق في تقييد عمل المنظمات غير الحكومة في ظل تجاهل للدستور والقانون. كذلك فإن الغياب الواسع للانتقاد من المجتمع الدولي، وخاصة من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، خاصة بعد تدهور الربيع العربي نحو الحروب الداخلية والإرهاب، قد ساهم في إزالة أية كوابح أمام الانحدار نحو السلطوية وحكم الفرد في النظام السياسي الفلسطيني.

إن غياب المشروعية والانحدار نحو السلطوية في النظام السياسي الفلسطيني قد أدى للتراجع الهائل في مدى الثقة بالسلطة وحكومتها، وقد برز ذلك بشكل واضح في الصراع الداخلي بين السلطة والمجتمع حول قانون الضمان الاجتماعي. إن غياب الثقة هذا قد ترك أثراً في الماضي في نواحي أخرى عديدة، إذ فشلت هذه السلطة فعلا في تجنيد الجمهور للوقوف ضد قرارات الإدارة الأمريكية المتعلقة بالقدس كالاعتراف الأمريكي بالمدينة عاصمة لإسرائيل ثم نقل سفارتها من تل أبيب للقدس بدون أن يحدث ذلك ردة فعل شعبية واسعة النطاق كما كان متوقعاً. إن من المتوقع أن يشكل غياب الثقة هذا عائقاً إضافياً أمام قدرة السلطة الفلسطينية على تجنيد الجمهور لمقاومة المخططات الأمريكية والإسرائيلية فيما يسمى بصفقة القرن أو التوسع الاستيطاني وغيرها من الأمور التي تشكل تهديداً حاضراً للمستقبل الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وإنهاء الاحتلال.

ستة مصادر للتهديد:
في تعامله مع هذه التحديات الأربعة، يجد الطرف الفلسطيني نفسه في مواجهة ستة مصادر للتهديد، ثلاثة منها خارجية: إسرائيل، والولايات المتحدة، ودول إقليمية، وثلاث داخلية: “حماس”، وقيادة السلطة ونخبتها الحاكمة، وغياب خيار دستوري في اختيار خليفة لرئيس السلطة. تلعب إسرائيل بالطبع الدور الأساسي، حيث أنها القوة المحتلة والأقدر بالتالي على تهديد استقرار السلطة، بل والتخلص منها. كما أن التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي تشكل تهديداً للأراضي الفلسطينية وتقضي في المدى المتوسط على حل الدولتين. كذلك يشكل عنف المستوطنين تهديداً مباشراً للمناطق الريفية الفلسطينية ويظهر بوضوح عجز السلطة عن توفير الحد الأدنى من الأمن للمناطق الواقعة خارج المدن الفلسطينية. تسيطر إسرائيل على مصادر الثروة الفلسطينية كالأراضي والمياه وتجمع أموال الضرائب التي تشكل مصدر الحياة للسلطة ومؤسساتها العامة حيث تشكل هذه الأموال الجزء الأعظم من مدفوعات الرواتب لموظفي السلطة. كما أن الحواجز التي يقيمها جيش الاحتلال لحماية المستوطنين قادرة في أي لحظة على شل الحركة على الطرق وتدمير النمو وإضعاف قدرة السلطة على فرض النظام والقانون. كما أن اجتياحات الجيش الإسرائيلي للمدن الفلسطينية تشكل تهديداً معنوياً بالغاً ومصدر إهانة مستمر للسلطة وأجهزتها الأمنية. إن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية الواقعة في المنطقة جيم تضمن الحد من أي توسع أو تقدم في البنية التحتية مثل بناء الطرق السريعة، أو إيصال الكهرباء والماء ووسائل الاتصالات، أو بناء مدن جديدة، أو استغلال هذه المناطق لأغراض السياحة.

أما الولايات المتحدة فيشكل انحيازها لإسرائيل مصدر تقوية وتعزيز لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتشكل مكانتها الدولية تهديداً مباشراً لقدرة السلطة الفلسطينية على استخدام النظام والقانون الدولي كأداة فعالة في إنهاء الاحتلال. تستخدم الولايات المتحدة معونتها الاقتصادية للسلطة كأداة ضغط لتغيير سياساتها وإجبارها على التخلي عن بعض الخيارات المتاحة لها، كما كان الحال لفترة طويلة فيما يتعلق بانضمام فلسطين للمحكة الجنائية الدولية، أو كما هي الحال اليوم فيما يتعلق بالجهود الأمريكية في العملية السلمية والإيقاف الكامل للمعونة الأمريكية بسب رفض الطرف الفلسطيني الالتقاء بالإدارة الأمريكية منذ الإعلان الأمريكي عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في كانون أول (ديسمبر) 2017. يمكن للولايات المتحدة استخدام مكانتها الاقتصادية والمالية الدولية لفرض المزيد من العقوبات على السلطة الفلسطينية بما في ذلك فرض قيود على نظامها البنكي، أو ملاحقة أفراد من النخبة الحاكمة في المحاكم الأمريكية بتهم الإرهاب، أو إيقاف العمل بأية اتفاقات تجارية أو تسهيلات مقدمة للقطاع الخاص، أو فرض قيود على دخول فلسطينيين للولايات المتحدة، أو سحب الاعتراف بالجواز الفلسطيني. كما يمكن للولايات المتحدة أن تستغل مكانتها التقليدية في عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية للقضاء على حل الدولتين عن طريق تشجيع الاستيطان وضم أراضي فلسطينية لإسرائيل أو عن طريق تقديم اقتراحات للتسوية تعطي للفلسطينيين كياناً منقوصاً تحت سيطرة أمنية إسرائيلية، وبدون سيادة على الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية في البلدة القديمة في القدس، وبدون حل عادل للاجئين. إن طرح مقترحات كهذه كفيلة بإغلاق الباب أمام تسوية سلمية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لفترة طويلة قادمة.

يأتي التهديد الثالث من أطراف إقليمية مختلفة فمثلاً، تسهم إيران بتسليح فريق فلسطيني ضد آخر، وبتشجيع سياسات تتناقض مع سياسات السلطة الفلسطينية، ويمكنها لو نجحت أن تهدد استقرار وأمن هذه السلطة. كما أن أطرافاً مختلفة ذات نوايا حسنة يمكنها أن تساهم في تعميق الانقسام، مثل قطر، أو حتى مصر، بتعزيز سيطرة “حماس” على القطاع وإضعاف مكانة السلطة رغم أن دوافع التدخل هو إنهاء الانقسام ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة. أخيراً إن مما لا شك فيه أن التقارب العربي-الإسرائيلي الموجه ضد إيران قد يدفع بأطراف عربية رئيسية مثل السعودية أن تدعم المخططات الأمريكية الساعية لإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بدون إنهاء كامل للاحتلال الإسرائيلي أو ضمان باستقلال وسيادة الدولة الفلسطينية.

أما مصادر التهديد الرئيسية الداخلية للسلطة الفلسطينية فتبدأ من “حماس”. إن لجوء “حماس” للقوة المسلحة في صراعها الداخلي مع أطراف من السلطة الفلسطينية قد خلق حالة من العداء والخوف والرغبة في الاستبعاد والإقصاء لدى الطرف الآخر. لقد جعلت حماس نفسها بذلك العدو الرئيسي لحركة فتح وللرئيس الفلسطيني وكان ذلك عاملاً أساسياً في استمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل رغم انهيار المنظومة الأساسية لاتفاق أوسلو وتوقف العملية السلمية وتعزز استمرارية الوضع الراهن. كما أن سيطرة “حماس” المنفردة على قطاع غزة شكل تهديداً جوهرياً للوحدة الوطنية، وأضر بشدة بفرص قيام نظام سياسي يحكمه القانون، وألغى أي إمكانية لحدوث تحول ديمقراطي. كما أن النموذج الإقصائي الذي رسمته “حماس” لنظامها السياسي في قطاع غزة خلق نظاماً سلطوياً معادياً للديمقراطية وللحريات الفردية.

وفوق كل ذلك، فإن بناء لجناح مسلح وميليشيا يمكن استخدامها في الصراعات الداخلية في قطاع غزة، كما حدث في عام 2007، وضع عقبة كأداء أمام المصالحة وجعل من المستحيل بناء نظام سياسي يحتكر استخدام القوة. وفي الضفة الغربية ساهم لجوء “حماس” للعمل المسلح في زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية وجعلها في خوف مستمر من قيام حماس باستخدام العمل المسلح لتهديد سيطرة السلطة أو حتى الاستيلاء عليها في حال نجحت حماس في بناء قوة مسلحة فاعلة. إن مما لاشك فيه أن الصراع الفلسطيني السياسي الداخلي قد اكتسب بعداً عسكرياً لن يكون من الممكن تحييده إلا بنزع سلاح كافة القوى المشاركة في العمل السياسي. لكن هذا الهدف غير قابل للتحقيق في المدى القريب على الأقل ولن يكون بالتالي ممكناً للنظام السياسي الفلسطيني أن يصبح على المدى القريب نظاماً جامعاً وشاملاً.

أما مصدر التهديد الداخلي الثاني فيأتي من داخل السلطة الفلسطينية، من قيادتها ونخبتها الحاكمة. لقد تراجع حكم القانون في مناطق السلطة الفلسطينية كما أشرنا أعلاه لأن قيادة السلطة ونخبتها تخلت عن المشروعية الدستورية التي جاءت بهم للحكم. أدى ذلك لغياب الثقة الجماهيرية بهذه القيادة والنخبة. إن العداء للديمقراطية الذي تظهره العديد من سياسات الرئيس وحكومة الوفاق يعمق من أزمة الثقة هذه ويجعل من غير الممكن لها مد اليد لحماس لمصالحتها أو حتى احتوائها ويعزز السلطوية وحكم الفرد ولن يبقى أي أمل بإحداث تحول ديمقراطي في أي وقت قريب أو تجنيد الشارع لمحاربة السياسات الأمريكية والإسرائيلية المعادية.

أما مصدر التهديد الداخلي الأخير فيأتي من غياب أي تصور مشروع لحل دستوري للفراغ الذي سينشأ في مرحلة ما بعد الرئيس عباس. إن حل المجلس التشريعي قد شكل ضربة قاضية ليس فقط لفرصة المصالحة الداخلية، بل أيضاً لفرصة بلورة حل دستوري يكون مقبولاً على كافة الاتجاهات الممثلة للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع مما يفتح الباب أمام تعمق السلطوية، ويزيد من فرص حصول صراع داخلي مسلح، إضافة لتشرذم محتمل داخل حركة “فتح”. إن تمزق حركة “فتح” أو دخولها في صراعات مسلحة في فترة ما بعد الرئيس عباس سيشكل ضربة قاسية للحركة الوطنية برمتها وسيجعل من السهل على الأطراف الخارجية إن تتدخل بقوة لفرض أجندتها على جناحي الوطن في الضفة والقطاع. صحيح أن هذا هو أسوأ الاحتمالات، لكن تجاهل مصدر التهديد هذا للسلطة الفلسطينية أو اللجوء لوسائل غير دستورية لمعالجته كفيل بإضعاف قدرة الطرف الفلسطيني على مواجهة أي من التحديات الأربعة التي سبق ذكرها.

توصيات: 
يمكن للقيادة الفلسطينية والنخبة الحاكمة أن تغير مسارها الراهن لتفادي التوقعات الأكثر سوداوية ولتحسين قدرتها على مواجهة التحديات. يجب أن يبدأ هذ التغيير، أولاً، بالعودة للمصالحة كمدخل لتوحيد تدريجي للضفة والقطاع. إن مصالحة كهذه كفيل بإعادة تدريحية للشرعية في النظام السياسي الفلسطيني بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وبالعودة للالتزام بالقانون الأساسي وحكم القانون. إن إيقاف التدهور نحو السلطوية وحكم الفرد سيشكل عاملاً إضافياً في إعادة المصداقية للحكم وفي عودة الثقة الشعبية به مما يضع السلطة في موقع أفضل للتعامل مع التحديين الباقيين: مواجهة الجهود الأمريكية في عملية السلام والتعامل معها بثقة نفس ومصداقية، ومواجهة الأزمة الاقتصادية الشديدة التي ستواجهها السلطة الفلسطينية في النصف الثاني من 2019 بدون أن يؤدي ذلك إلى صدامات داخلية تضعف من قدرة الطرف الفلسطيني على مواجهة التحدي الأكبر لمستقبلهم ومستقبل دولتهم.

ثانياً، ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تستعيد ثقة الشارع الفلسطيني بها. لكن هذا الهدف لن يتحقق عن طريق إجراء انتخابات برلمانية فقط. إن الإصرار على إجراء انتخابات تشريعية فقط سيجلب معه مقاطعة واسعة من أطراف الطيف السياسي الفلسطيني ولن يكون ممكناً إجراء الانتخابات في قطاع عزة. إن اقتصار الانتخابات على الضفة الغربية يعني ضربة مميتة لفرص توحيد الضفة والقطاع. لكل ذلك ينبغي إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية معاً بأوسع مشاركة شعبية وحزبية في كلتا المنطقتين الفلسطينيتين.

ثالثاً، على السلطة الفلسطينية العمل على تحييد التهديد الإقليمي المحتمل من خلال توثيق علاقتها بمصر والسعودية والأردن بهدف خلق ائتلاف عربي-فلسطيني مشترك يكون مسؤولاً عن مناقشة خطة ترامب للسلام والرد عليها بشكل موحد. كما ينبغي على السلطة العمل مع هذا الائتلاف لوضع خطة مشتركة تعطي للسلطة الوسائل القادرة على دعم استقرارها المالي.

رابعاً، ينبغي على السلطة الفلسطينية استغلال التركيز الإعلامي المصاحب للإعلان عن خطة ترامب للسلام بطرح خطة عربية-فلسطينية مشتركة بديلة عن خطة ترامب تقوم على أساس البناء على ما تحقق سابقاً في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية (كقيام دولتين، وحدود  1967 مع تبادل أراضٍ متساوٍ، وعاصمتين في القدس، وتواجد عسكري متعدد الجنسيات في غور الأردن) وعلى خطة السلام العربية. إن بلورة خطة عربية-فلسطينية بديلة لخطة ترامب يمكن لها أن تجد دعماً وتأييداً من العديد من دول العالم بما في ذلك من دول الاتحاد الأوروبي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق