المقالات

التسوية الأمريكية لم تنته بعد..! بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

يعتقد البعض إن التسوية الأمريكية أو ما عرفت بـ”صفقة القرن” قد ماتت في مهدها؛ ولكن في الواقع عدم الاعلان عن الصفقة أو التسوية لا يعني أنها قد انتهت بقدر ما يعني أنها تختمر في أروقة صناع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية لتخرج أقوى مما ينبغي عندما تتوافر الظروف السياسية الدولية والاقليمية على أرض الواقع؛ والتي سيكون إعلان الصفقة في حينها تتويج لما تم إنجازه من تغيرات على الأرض..!

وأمامنا التطورات التي تجري على أرض الواقع في الضفة الغربية وقطاع غزة والمنطقة والتي توضح معالم التسوية؛ وثمة علاقة وثيقة بتطورات الأحداث خاصة تلك التي تحمل في طياتها تحولات استراتيجية لاتجاه تغير عميق الأثر في السياسة الاقليمية في المنطقة. وبنظرة بانورامية في نهاية هذا العام سنرى أن تجدد رياح ثورات الربيع العربي هى أهم تلك الأحداث الاستراتيجية؛ والتي كان آخرها الانتفاضة العراقية واللبنانية وتأثر المشهد الايراني بها والسير على خطاها في ما بدا “ربيع فارسي” وإن كان على استحياء وبرغم حالة القمع الشديد الذي تواجه ربيع من هذا القبيل نظراً لشعور صانع القرار في ايران ومحورها الدولي الممتد من بكين مرورا بطهران الى موسكو؛ فهذه الموجة من الربيع يراد لها أن تجرف معالم تم تثبيتها في الجغرافيا السياسية للمنطقة لصالح ذلك المحور خلال العقدين الآخيرين؛ وهذا التجريف إنما هو لصالح محور أمريكي يتشكل رويدا رويدا وبهدوء؛ و”صفقة القرن” هي أحد أهم محاور ذلك التشكيل.

وعلى الطرف الآخر فإن ما تهدد وتقوم به اسرائيل من تغيرات للواقع على الأرض في الضفة الغربية من خلال إعلان نية حكومتها ضم منطقة الأغوار وترافقه مع تسعيرها للاستيطان ومصادرة الأراضي هو في الحقيقة تغيرات استراتيجية على أرض الواقع، وتقوم به اسرائيل طبقا لمخططات مدروسة ومقننة في الفعل وقياس مدى ردة الفعل الفلسطينية والدولية للاستمرار أو التراجع، وليس أدل على ذلك من حملة المصادرات التي قامت بها خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من إصدار عطاءات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية وما رافقه من مصادرة آلاف الدونمات في مختلف مناطق الضفة؛ وكذلك ما تقوم به اسرائيل في القدس من إزالة لأي تمثيل سياسي حتى وإن كان رمزيا في المدينة المقدسة، فإننا أمام مشهد واقعي لما ستكون عليه الضفة عشية إعلان التسوية.

أما إذا انتقلنا إلى قطاع غزة فإننا أمام مشهد مفعم بالتغيرات الاستراتيجية المتلاحقة؛  فثمة واقع سياسي يتشكل في طبيعة العلاقة بين غزة واسرائيل باعتبار قطاع غزة جزء سياسي كامل الأهلية السياسية وذو شخصية سياسية مستقلة لا علاقة لها بما يجري في الضفة الغربية، وليس أدل على ذلك من مفاوضات الهدنة طويلة الأمد التي ما تلبث أن تخبوا أخبارها حتى تتصاعد مجددا بأقوى مما سبق وسط تأكيد اسرائيلي ونفي حمساوي؛ ولكن الواقع الذي يتغير يوميا في قطاع غزه يشي بأن وراء الأكمة ما وراءها. فسياسة ضبط النفس العسكري لـ”حماس” خلال هذا العام وخاصة في التصعيد الأخير بالإضافة إلى إحكام السيطرة على ما يعرف بمسيرات رفع الحصار في أدنى حدود التصعيد وإلغاء أكثر من ثلاث فعاليات متتالية إضافة إلى ذلك وصول المستشفى الأميركي إلى قطاع غزة ضمن تفاهمات تدعي “حماس” أنها ضمن تفاهمات التهدئة، في حين تنفي غالبية الفصائل ذلك وتقول في حق هذا المشفى ما لم يقله الإمام مالك في الخمر؛ كل ذلك يشي بما يمهد الواقع في القطاع لما هو موجود بالفعل من تصور سياسي يميني أمريكي واسرائيلي عن طبيعة الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي..!

خلاصة القول أن من يريد أن يعرف آخر تطورات “صفقة القرن” عليه أن يراقب باجتهاد ما يجري من تغيرات على أرض الضفة والقطاع، وما يحدث من أحداث استراتيجية في المنطقة، فكلا المشهدين يكمل بعضهما الآخر في تحديد توقيت الاعلان عن التسوية الأمريكية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق