المقالات

فلسطين كنعانية بالأدلة والبراهين

بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

إدعاء البعض من خلال نظريات جديدة تشكك بأرض كنعان كموطن جذري لفلسطين إبان فترة العصر البرونزي (3200 ق.م – 1200ق.م) بعد إدعائهم السابق بمقولة جغرافيا التوراة، ومحاولاتهم  من خلال هذه المقولات وما يستجد من مقولات أخرى، إعادة كتابة تاريخ فلسطين القديم.. هذه الادعاءات التي لم يتم إثباتها أثريًا أو علميًا أو حتى منطقيًا حتى الآن ليس بوسعها نسف مسلمات وحقائق التاريخ وشواهده. كما لا ينبغي الانسياق خلف نظريات ظهرت أواسط الثمانينيات وتهاوت لأنه لم تثبت صحتها، – أعني بذلك نظرية د. كمال الصليبي-  أن نعاود مرة أخرى تشغيل نفس الاسطوانة (المشروخة).

يقول الأستاذ أحمد الدبش في نفيه لتسمية فلسطين بأرض كنعان استنادا الى د. فاضل الربيعي الذي يرى أن أرض كنعان هي مملكة قتبان وأوسان: “الواقع أن تسمية “كنعان” غير دقيقة فالمكتشفات الأثرية من أقصى شمال سورية الطبيعية، إلى أقصى جنوبها، لم تشر على وجود كنعاني فيها، ولم تأت على أي ذكر لـ “كنعان”، وأما ما يزعم البعض من أن الكلمة وردت في الأسطر القليلة المكتشفة، على ما دعي بتمثال إدريمي في الألأخ فهذا زعم باطل، إذ أن الكلمة هي “قنياني” وتعني مقتيناني، ملكي، وليست “كنعان”. أنا بدوري أتساءل هل يمكن اختصار الآثار الكنعانية بتمثال إدريمي؟ فهناك العديد من الآثار الكنعانية المكتشفة في فلسطين في العصر البرونزي من فخاريات وتماثيل وحلي وأسلحة برونزية، والكثير منها معروض في المتحف البريطاني في صالة “فلسطين القديمة”. وحول تفسير كلمة “كناخي” في رسائل تل العمارنة المصرية، يقول الدبش عن تلك الكلمة بأنها لا تعني كنعان، “فإننا نفهم أن تتبدل الخاء إلى كاف، والنون إلى ميم، أما تبديل الخاء والجيم، كما تلفظ (باللهجة المصرية والبدوية والسريانية) إلى عين، فأنها عصية على الهضم”، الحقيقة أنا بحثت عن حروف الميم والجيم في الكلمتين فلم أجدهما.

وهو يستطرد: ويقول سباتينو موسكاني في ذلك، يجب أن نسلم بأن هذه التسمية لا تبعث على الرضا من نواح عدة، فإنه يبدو من تمحيص المصادر أن لفظي “كنعان” و”الكنعانيين” كانا يعنيان، قبل كل شيء “فينيقيا” و”الفينيقيين”، لم يستعملا إلا في عصر متأخر للدلالة على مدلولين أوسع نطاقًا؛ أحدهما جغرافي، والآخر جنسي، هذا إلى أن حدود تلك التسمية ليست محددة تحديدًا يدعو إلى الرضا، فهذه الحدود واضحة بعد مجيء القبائل الآرامية ولكن هذا الحدث متأخر نسبيا وكان لفظا كنعان والكنعانيين يلطلقان قبل ذلك على المنطقة السورية – الفلسطينية بأسرها، وعلى سكانها، ثم أن الكنعانية من حيث هي مجموعة لغوية ليست وحدة حقيقية فلفظ “كنعاني” يطلق، كما لاحظ الأستاذ فريدرش، عن حق على أي عنصر لغوي سوري – فلسطيني لا ينتمي إلى الآرامية”. بالطبع كتاب موسكاني عندي وهو دائمًا أحد مراجعي في كتاباتي عن آثار وتاريخ فلسطين القديم، لكن الأخ أحمد فهم بشكل خاطىء مضمون الكلمات التي نقلها عن موسكاني الذي لم يكن يعني بالطبع نفي الوجود والحضارة الكنعانية العريقة في فلسطين، لاسيما وأن العديد من الآثار الكنعانية اكتشفت في أوجاريث السورية.

ولا شك أن اختراع الأبجدية هو أهم مظهر من مظاهر الحضارة الكنعانية. وكثيرون يخلطون بين اللغة والكتابة، وأيضًا بين الكتابة الشكلية المصورة  والكتابة الصوتية، وبين والأبجدية، وفي كل الأحوال كانت اللغة والكتابة والأبجدية الكنعانية أقدم من العبرية. ويقول موسكاني إن الأبجدية ظهرت أول ما ظهرت في المصادر الكنعانية، ويضيف: “ولا شك أن هذا الاختراع أعظم ما أسهمت به شعوب سوريا وفلسطين قديمًا في مضمار الحضارة”. ويؤكد المؤرخ الأمريكي بريستيد (كتابه فجر الضمير، ص 373) أن اللغة التي وجدها العبرانيون عندما غزوا فلسطين هي اللغة الكنعانية.. وهذه اللغة هي التي  ورد ذكرها في سفر أشعيا تحت اسم لغة كنعان، “وكان العبرانيون قبل ذلك يتكلمون لهجة تقرب من إحدى اللهجات الآرامية القديمة.. ومن الواضح انهم راحوا يستعملون لغة الكنعانيين وأخذوا ينسون تدريجيًا لغتهم الأصلية”.

وتشير وثائق “مارديخ” الكنعانية التي اكتشفت في سوريا سنة 1950 إلى أن ذلك الموقع الذي يقع الى الجنوب الغربي من مدينة حلب “مارديخ” كان عاصمة مملكة إيبلا الكنعانية. وقد أثبتت وثائق اللعنة كنعانية بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين)، خلال النصف الأول من الألف الثانية ق.م. وتعتبر هذه الوثائق التاريخية من أهم الاثار التي وثقت للعصر البرونزي المتأخر (1550- 1200ق.م) الذي يعد عصر كنعاني بامتياز. وقد عرفت فلسطين بأنها بلاد كنعان، وتميزت حضارتها الكنعانية بالبراعة في صناعة النسيج وصبغ الملابس، خاصة باللون الأرجواني، وفن التطريز، إلى جانب صناعة الفخارالمصقول  المحزز والملون، وصناعة الزجاج وأدوات الزينة والكحل.

ويمكن الاستدلال على كنعانية القافلة التي يقودها الحاكم الكنعاني أبشة (لوحة بني حسن الجدارية)، وتضم 37 شخصا يحملون صبغ العيون الى مصر على حميرهم، يمكن الاستدلال على كنعانية أفراد تلك القافلة من خلال ملابسهم وصنادلهم الملونة والمطرزة. وتعتبر المائدة التي تستند على ثلاثة أرجل من سمات ومميزات الحضارة الكنعانية التي سبقت حضارة حمير  وقاتبان وأوسان بأكثر من ألفي عام، وتوجد لوحة لعائلة كنعانية تلتف حول مائدة بثلاثة أرجل في المتحف البريطاني بلندن.

في الختام الغرض من هذا المقال الرد على أنصار مدرسة محاولة مسح الوجه العربي الحضاري الكنعاني عن فلسطين، لأن كنعان قبيلة عربية أصيلة ولا يصح الإيمان بعروبة فلسطين ونزع كنعانيتها في نفس الوقت، ومحاولة أحد أعضاء الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين الذي أوكلت إليه مهمة إدارة مؤتمر “فلسطين الكنعانية” الإفساح لأنصار هذا الرأي – الذي احترمه بطبيعة الحال، واستبعادي من المشاركة باعتباري أحد المدافعين عن عروبة فلسطين الكنعانية، يعتبر إهانة مباشرة لشخصي ولحقوقي المعنوية كباحث ومؤرخ معروف في تاريخ فلسطين القديم والحديث، يكتب ويؤلف عن تاريخ فلسطين منذ بداية الثمانينيات ويرفض بطبيعة الحال هذا السلوك المستهجن الذي لا يليق بالأمانة العامة للاتحاد الجديد عندما يبدأ تلك البدايات التي لا تبشر بخير.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق