الفعاليات

مخرجات دورة تدريبية بعنوان ” مهارات كتابة أوراق الموقف والسياسات “

إعداد وتنسيق :- مركز د. حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية .

إشراف المدرب : – منصور أبو كريم .

عنوان الورقة : – الخيارات الفلسطينية المتاحة لمواجهة صفقة القرن الأمريكية الإسرائيلية

(البدائل والخيارات المتاحة)

إعداد : – محمد يوسف شامية

الورقة الثانية ..

 

مقدمة:

وضعت الخطة الأمريكية المسماة (صفقة القرن) الشعب الفلسطيني بقواه كافة أمام تحدي جدي في ظل الموقف الأمريكي المنحاز بشكل مطلق للموقف الإسرائيلي. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صفقة القرن للسلام الفلسطيني الإسرائيلي يوم الثلاثاء الماضي الموافق 28/1/2020؛ وذلك بعد أن عرضها على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة الإسرائيلية بني غانتس في ظل الغياب الفلسطيني.

التحديات الكبيرة التي تمثلها صفقة القرن الأمريكية التي جاءت انعكاساً لرؤية اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل، ومساعي إسرائيل لاستثمار اللحظة التاريخية لضم غور الأردن والكتل الاستيطانية، في ظل صعوبة الأوضاع العربية والدولية في ظل التحول في بعض مواقف الدول العربية تجاه التطبيق مع إسرائيل بدون ربط ذلك بالصول لتسوية، كل هذه التحديات فتحت الباب أمام طرح مجموعة من التساؤلات حول الخيارات الفلسطينية المتاحة لمواجهة صفقة القرن والموقف الأمريكي؟ سواء أكانت على المستويات الداخلية أم الخارجية.

 

أولاً: ماهية الطرح الأمريكي تجاه قضايا الحل النهائي.

في ضوء الاطلاع على نصوص صفقة ترامب، نجده يعرض دولة فلسطينية بلا سيادة أو حدود وغير متصلة وتحاصرها إسرائيل سياسيا وجغرافيا واقتصاديا؛ ولم يقدم حلاً للقضية الفلسطينية، بل قدم تصفية وأنهاء لمشروع الدولة الفلسطينية؛ وذلك من خلال حلول لقضايا الحل النهائي والمتمثلة في القدس والاستيطان واللاجئين والحدود لا تنسجم مع القرارات الدولية التي كفلت حقوق الفلسطينيين؛ والتي جاءت على النحو الآتي حسب خطة ترامب لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي:

قضية القدس  

تنص الخطة على أن القدس ستبقى عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، ضمن حدودها البلدية القائمة اليوم، أما عاصمة دولة فلسطين فتكون في الجزء الشرقي من المدينة في المناطق الواقعة شرق الجدار الأمني القائم وشماله، بما في ذلك كفر عقب، والقسم الشرقي من شعفاط، وأبو ديس، ويمكن تسميتها القدس أو أي اسم آخر تحدده الدولة الفلسطينية. وقد أكد بنيامين نتنياهو بعد الإعلان عن الخطة بأن العاصمة الفلسطينية ستكون في أبو ديس التي تقع على بعد 1.6 كيلومتر شرقي البلدة القديمة في القدس.

أما الأماكن الإسلامية المقدسة، فإن الخطة تعيد طرح “الرعاية الدينية” الهاشمية الأردنية بدلًا من السيادة الفلسطينية، في حين تبقى السيادة المادية دومًا إسرائيلية. وتنص الخطة على أنه سيسمح للسكان الفلسطينيين المقيمين في القدس، “ما وراء خط الهدنة لعام 1949، ولكن داخل الجدار الأمني القائم بخيار من ثلاثة:

  • أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين.
  • أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين.
  • أو الاحتفاظ بوضعهم كمقيمين دائمين في إسرائيل ([1])“.

جعلت خطة ترامب مدينة القدس الموحدة عاصمة أبدية للإسرائيل، وقد تكون البنود المتعلقة بالقدس من أخطر وأهم بنود الصفقة، والتي هي بمثابة تطبيق للفكر الإنجيلي الذى يسعى لتطبيق الرواية التوراتية بإقامة الهيكل المزعوم للتعجيل في قدوم السيد المسيح المخلص لهم؛ واعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل جعل الأماكن المقدسة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية بشكل كامل؛ وحسمت الصفقة قضية القدس باعتبارها عاصمة لدولة إسرائيل؛ وعاصمة الفلسطينيين في شعفاط وأبو ديس وبذلك تكون منحت السيادة الأمنية والسياسية الكاملة لإسرائيل ، كذلك تضم 87% من أراضي الضفة المقامة عليها المستوطنات إلى الأراضي الإسرائيلية، و97% من الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى أراضي الدولة الفلسطينية بينما 3% والذين يعيشون في كنتونات داخل الأراضي الإسرائيلية حسب نصوص الصفقة فانهم سيكونون مواطنين فلسطينيين على أن تخضع هذه الكنتونات للسيادة الإسرائيلية.

وكذلك إحدى أهم قضايا الصراع كانت قضية المياه والتي تم تأجيلها إلى مفاوضات الحل النهائي فان خطة ترامب تؤكد ان إسرائيل ستبقى على سيادتها على المياه والتي توفر الاستقرار في المنطقة

 

قضية الاستيطان

تشرعن صفقة القرن المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية والتي شرعت بإنشائها الحكومة اليمينية المتطرفة ونهبت مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية؛ ومن خلالها رسمت جرافات الاستيطان حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية من خلال محاصرتها بعشرات البؤر الاستيطانية؛ وقد فصلت تلك المستوطنات مدن الضفة بعضها عن بعض وحولتها الى كنتونات من الصعب التواصل بينها؛ وحسب الصفقة لم يبقي للفلسطينيين سوى قطاع غزة بدون مستوطنات والذي يمثل 1% فقط من مساحة فلسطين التاريخية([2]).

وعلى صعيد آخر فان الخطة تطرح توسعا للأراضي الفلسطينية وهذا في المناطق التي تشكل عبأ ديمغرافياً، على إسرائيل مثل منطقة المثلث وتحديدًا كفر قرع وعرعرة وباقة الغربية وأم الفحم وكفر قاسم والطيبة وكفر برا وجلجولية؛ وهذه المدن سوف يتم ضمها للدولة الفلسطينية حسب الخطة، في إطار عملية ترانسفير جديدة، يأتي هذا ضمن عملية تبادل الأراضي حيث تضم كل مستوطنيها اليهود في الضفة وتتخلص من العبء الديمغرافي العربي في إسرائيل وخاصة في المثلث وتنزع مواطنتهم الإسرائيلية؛ إضافة الى سكان النقب حيث تدعو الخطة الى تخصيص منطقة صناعية ومجمع سكاني مع طريق يربطهما معا بقطاع غزة وهو ما يدفع بها لاقتلاع سكان النقب ونقلهم الى هذه المنطقة خاصة أنها منذ سنوات تعمل ضمن سياسة ممنهجة بطردهم من قراهم وحصرهم في نطاق تجمعات سكانية ضيقة ([3]).

 اللاجئين

تشدد الخطة على أن توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية -الفلسطينية ينبغي أن يتضمن إنهاء أي مزاعم تاريخية أو حقوقية للفلسطينيين، مثل “حق العودة”. وتؤكد بوضوح أنه “لن يكون هناك أي حق في العودة، ولا استيعاب لأي لاجئ فلسطيني في دولة إسرائيل”. فوق ذلك، تعتبر الخطة أن ثمة مشكلة لجوء يهودية كذلك متمثلة في اليهود الذين “طردوا من الدول العربية بعد وقت قصير من إقامة دولة إسرائيل”، وبأنهم يستحقون حلًا منصفًا “ينبغي أن يتم تطبيقه في إطار آلية دولية مناسبة منفصلة عن اتفاقية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية”. وفي هذا السياق، تؤكد الخطة أن “الإخوة العرب” للفلسطينيين “يتحملون المسؤولية الأخلاقية عن إدماجهم في بلادهم”، كما دمجت إسرائيل اللاجئين اليهود. وتشدد على أن اللاجئين المستقرين في أماكن دائمة لن يسمح لهم بالعودة والتوطين، بما في ذلك الانتقال إلى الدولة الفلسطينية، مع بقاء حق التعويض لهم ضمن آلية دولية خاصة. وتعرض الخطة ثلاث خيارات على اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يحظون بإقامة دائمة في أي مكان، هي:

  • أن يتم استيعابهم ضمن الدولة الفلسطينية المقبلة، ولكن ضمن قيود مشددة، مثل ضرورة وجود اتفاق بين إسرائيل والدولة الفلسطينية على معدل حركة اللاجئين من خارج الضفة الغربية وقطاع غزة إلى دولة فلسطين. ويتحدد ذلك بناء على القدرات الاستيعابية الاقتصادية للدولة الفلسطينية، وبما لا يشكل عبئًا على البنى التحتية، ولا يضاعف من التهديدات الأمنية لدولة إسرائيل.
  • أن يتم إدماجهم في البلدان المضيفة التي يقيمون بها حاليًا، وذلك مرهون بموافقة تلك الدول.
  • أن تقبل كل دولة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بتوطين 5 آلاف لاجئ كل عام على مدى عشر سنوات (بإجمالي 50 ألف لاجئ).

وتشدد الخطة على أنه مع توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية فإن وضعية اللاجئ الفلسطيني سوف تنتهي كصفة قانونية دولية، وبأن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى “الأونروا” ستنحل، كما أن الشق الاقتصادي من الخطة سيعمل على استبدال مخيمات اللجوء في الدولة الفلسطينية وتفكيكها لبناء مناطق سكنية جديدة ([4]).

 

قطاع غزة

بخصوص الأوضاع في قطاع غزة، الخطة اتخذت مواقف سلبية من حركة حماس وفصائل المقاومة وطالبت بتجريد الفصائل من سلاحها، ووضع القطاع تحت حكم السلطة الفلسطينية أو أي هيئة تلتزم بشروط الرباعية الدولية، فهي نعتت مقاومتها بالحركات الإرهابية ويجب نزع سلاحها خاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي وذلك حفاظا على أمن إسرائيل ونصت الخطة على عدم التعامل مع حكام غزة الحاليين إلا بعد نزع سلاح المنظمات العسكرية وعودة السلطة الفلسطينية الى غزة لتحقيق السلام الشامل؛ وهي بذلك تمنح إسرائيل ذريعة لتشديد الحصار على غزة وقصفها وشن عدوان جديد عليها بحجج ردع المنظمات الإرهابية فيها حسب زعمها ([5]) .

الانتعاش الاقتصادي

تنطلق خطة ترامب الاقتصادية من مؤتمر المنامة وتطرح ثلاثة أسس لدعم المجتمع الفلسطيني تقوم على الاقتصاد والشعب والحكومة وتوفير أكثر من 50 مليار دولار في استثمارات اقتصادية خلال عشرة أعوام حيث ستقدم حلولاً لمشاكل البطالة والفقر في غزة والضفة الغربية.

وبقراءة تحليلية لصفقة ترامب المقدمة فهي بمثابة مشروع تصفوي لقضية عمرها تجاوز 70 عام، قدم الشعب الفلسطيني خلاله تضحيات جسام يستحق بموجبها دولة تحفظ كرامة شعبه؛ ولكن ترامب ومعه نتنياهو ما زالا يراهنان على ردة الفعل الفلسطينية على الصفقة، والتي بموجبها سيكون تطبيق الصفقة من عدمه؛ وعليه يجب أن يغير الفلسطينيون استراتيجيتهم وادواتهم المعتادة وألا يتصرفوا بنفس الأنماط الكلاسيكية القديمة؛ والتي تتخذ دوما شكل ردة الفعل قصيرة الأمد والمفعول، وكذلك إنهاء النمط الارتجالي السياسي لصالح استراتيجية طويلة الأمد محددة الأهداف وواضحة المعالم لكل الفلسطينيين؛ وأن تعيد تفعيل الارادة الشعبية للقرار السياسي الفلسطيني عبر توسيع المشاركة الشعبية في كل مناحي الحياة السياسية الفلسطينية([6]).

الموقف الأمريكي الجديد يشكل صفقة أسوأ بكثير مما عرضه أي مسؤول أمريكي قبل ذلك، إذ ينهى حل الدولتين الذي ناضل الفلسطينيين من أجله لسنوات وانتزعوا قرارات دولية لتثبيت حقهم في أرضهم.

ثانياً: الخيارات الفلسطينية المتاحة لمواجهة الصفقة

فرض الموقف الأمريكي تحديات جمة أمام الشعب الفلسطيني وأمام القيادة الفلسطينية والقوى والتنظيمات السياسية الفلسطينية سواء التي تتبني العمل السياسي مثل حركة فتح وباقي فصائل منظمة التحرير أو الفصائل التي تتبني العمل المسلح مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي في ظل وصول مشروع الطرفين إلى طريق مسدود. في ضوء التحديات الكبيرة التي فرضها الموقف الأمريكي وفي ضوء ضعف الموقف العربي والدولي في مواجهة إدارة ترامب تصبح الخيارات الفلسطينية محدودة، ولكنها ليست معدومة.

وفي ضوء هذه التحديات يمكن للقيادة الفلسطينية انتهاج أحد الخيارات الآتية المتاحة:

 خيار حل السلطة أو تجميد عمل السلطة الوظيفي

تهديد مسؤولين فلسطينيين في رام الله بالانسحاب من اتفاقات أوسلو، التي تحدد العلاقة بين إسرائيل والسلطة. وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات: “خطواتنا للرد على إعلان صفقة القرن تتمثل بإعلان تنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير وأبرزها إعلان انتهاء المرحلة الانتقالية”.([7])

كما لوح ناطق باسم الرئاسة الفلسطينية الأحد بحل السلطة الفلسطينية. وقال نبيل أبو ردينة للإذاعة الفلسطينية الرسمية (إن القيادة الفلسطينية ستعقد اجتماعات داخلية على كافة المستويات وسيتم بحث كافة الخيارات بما فيها مصير ومستقبل السلطة الفلسطينية على أن يكون أي قرار متخذ مدعوماً عربياً ودولياً لرفض أي استهداف للحقوق الفلسطينية).

الأستاذ في معهد الدارسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن (SOAS) جلبير الأشقر يرى أن اتفاقات أوسلو من الناحية العملية “ميتة سريرياً”، مضيفاً أن ما يطبق منها فقط تعامل السلطة الفلسطينية مع الأجهزة الإسرائيلية في موضوع التنسيق الأمني. وأضاف في حديث للقناة الألمانية بالعربية DW  أن “لا التهديد بالانسحاب ولا الانسحاب نفسه سيؤثران على ترامب أو نتنياهو”.وأمَّا عن التلويح بحل السلطة الفلسطينية فيجزم الأشقر بأنه “جاء متأخراً وكان يجب أن يحدث في وقت كان لدى الولايات المتحدة إدارات تتفهم أهمية القضية الفلسطينية، على الأقل فيما يتعلق بصورة أمريكا في العالمين العربي والإسلامي”.وأما الكاتب الفلسطيني طلال عوكل فقال في تصريح القناة الألمانية العربية لـ DW إن “حل السلطة صعب ومعقد” مستبعدا لجوء القيادة الفلسطينية لمثل هذا الخيار وأضاف: “لا إمكانية جدية لذلك: أين يذهب الموظفون؟ وماذا عن الخدمات؟”.وهذا ما نفاه الدكتور نبيل شعث على قناة بي بي سي العربية عندما سألته المذيعة هل يمكن حل السلطة الفلسطينية رد قائلا:( لا ليس هناك حل للسلطة لأننا نحن هنا باقون ومتمسكون بثوابتنا وحقوقنا كشعب فلسطيني)([8])

بقاء السلطة يمثل أحد ضمانات مواجهة الموقف الإسرائيلي والأمريكي، خاصة انها جاءت بعد نضال طويل، كما انها تمثل كيان معترف به من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بقاء السلطة تعبر مكسب في ظل تنامي الرفض الدولي للمواقف الأمريكية، فقد ظهرت دوائر المجتمع الأمريكي والأوربي، وبعض من عقلاء اليهود والإسرائيليين، الذين وجدوا في المبادرة الأمريكية نشازا غير مقبول وغير متوازن وضار بمصالح الدولة العبرية ذاتها في الأجلين المتوسط والطويل. كما يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار أن هناك أصواتاً في الاتحاد الأوربي، بدأت تطالب بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967. وأيضا موقف دول الاتحاد الإفريقي من الاعتراف بالسلطة الفلسطينية، ودعوة رئيسها للقمم الإفريقية، رغم أن فلسطين ليست إفريقية. ويتم ذلك إقرارا بعدالة القضية، والتزاما نحو بأهم قضايا الدول العربية التي يقع نصفها في القارة الإفريقية.([9])

خيار حل السلطة أحد السيناريوهات المتاحة لكنه يبقى خيارًا ضعيفاً جدا ونستبعد تحقيق هذا الخيار وهو حل السلطة الشرعية الفلسطينية، لأنه أقصى الخيارات. إذ لا فائدة في أن تتخلى السلطة – طواعية – عن شرعية وجودها، والتي تستند عليها في التعامل مع كل الدول، ومع المنظمات الإقليمية والدولية التي تعترف بها. وتتقدمها جامعة الدول العربية التي دعاها الرئيس أبو مازن -على مستوى وزراء الخارجية – لاجتماع يناقش التراجع المؤسف في الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، والانحياز الأمريكي غير المسبوق لموقف لم تطلبه إسرائيل ذاتها في أي وقت من أي طرف.

خيار انطلاق انتفاضة شعبية شاملة والعودة للكفاح المسلح

قيادة حراك شعبي يمثل انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية وقطاع غزة أمر وارد. وهو سيناريو يقوم على أساس إعادة الصراع الى مربعه الأول، على قاعدة شعب يطالب بحقوقه السياسية التي كفلتها له أمام جيش احتلالي مدجج بكافة أنواع الأسلحة المحرمة دوليا لمواجهة شعب أعزل وذلك لإيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم أجمع الصامت على جريمة ترامب بصفقته التصفوية لمشروعنا الوطني وهو مماثل لما قام به شعبنا الفلسطيني في انتفاضة الحجارة عام 1987 وحرك العالم كله اتجاه قضيتنا وأعاد الاعتبار لحقوقنا المسلوبة.

لكن هذا الخيار يجب أن يكون مدروساً بعناية، بحيث لا يتم تحويل الانتفاضة لعمل مسلح يعطي إسرائيل مبرراً للانقضاض على انتفاضة الشعب الفلسطيني مرة أخرى، كما حدث خلال عملية السور الواقي في الضفة الغربية عام 2003، والحروب المتكررة على غزة خلال السنوات الماضية([10]).

في هذا السياق يحذر الأستاذ في معهد الدارسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن جلبير الأشقر (SOAS) من اللجوء للسلاح وتكرار “خطأ انتفاضة الأقصى”، ويبرر ذلك بـميلان ميزان السلاح لصالح إسرائيل واستغلالها إسرائيل للأمر لضم المزيد من الأراضي الفلسطينية”. ويرى جلبير الأشقر أن انتفاضة شعبية على غرار الانتفاضة الأولى هي ورقة قوة: “الانتفاضة الأولى أربكت إسرائيل كما لم يربكها أي عمل آخر في تاريخ النضال الفلسطيني”. ويتفق الكاتب الفلسطيني طلال عوكل مع الدكتور جلبير الأشقر في عدم جدوى أي “كفاح مسلح” ويشدد على أهمية التحرك الشعبي، ويركز على أن التحرك الشعبي مرهون بإنهاء الانقسام ورص صفوف الشعب الفلسطيني([11]).

 

الانتفاضة مهمة جداً على ألا تكون محكومة ومسقوفة بسقف التجارب السابقة لان لكل مرحلة لها شروطها، ومميزاتها، و سماتها, الاحتلال يعمل على الأرض، وما كان ينفع  في انتفاضة الأقصى لم يكن مناسباً في انتفاضة الحجارة، ولا في هبة النفق، ولا في هبات وانتفاضات أخرى، وعلى امتداد التاريخ الماضي في الصراع مع هذا الاحتلال نعم هي ضرورة لكن علينا ألا نبهت الأمر ولا نستهين به، فقد حاولت حركة حماس أن تتطلق انتفاضة بالشعب الفلسطيني لاحظت أنه لا يمكن صد الاعتداءات التوسع الاستيطاني لتهويد الرأي العام الدولي والاقليمي على القضية الفلسطينية بدون انتفاضة بالغة يدرك العالم أن الشعب الفلسطيني يوفر المسارات نعم استطاعت أن ترفع من مستوى العمل العسكري أدت إلى ابقاء القضية الفلسطينية حية  وفوق الطاولة، ولكن عجزت عن تحقيق انتفاضة دون الكل الفلسطيني. كذلك فتح حاول عدة مرات لكن ما أن تلازمت مع التوافق وطني ولاسيما مع حركة حماس وباقي الفصائل الأخرى انطلقت الانتفاضة([12]).

يعد من بين أفضل خيارات التحرك المتاحة للفلسطينيين والعرب عمومًا، خيار إطلاق حركة انتفاضة شعبية شاملة، وعصيان مدني سلمي فلسطيني، دون عنف مسلح. وذلك حفاظا على الأرواح الفلسطينية التي تستهدفها إسرائيل في كل اشتباك. وخصوصا مع الخلل والفارق الشاسع بين القدرة المسلحة على الجانبين.

ويمكن أن يشمل ذلك مقاطعة -مدنية صامتة – للبضائع والخدمات وللاقتصاد الإسرائيلي عموما. واستخلاص حالة أسر الاقتصاد الفلسطيني الواقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي. واللجوء للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية المختصة. كجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوربي، والاتحاد الإفريقي وتجمعات الدول النامية كمجموعة 77 وغيرها، وذلك لضمان الحقوق الفلسطينية الاقتصادية والتجارية والمالية.

خيار تدويل القضية الفلسطينية

أحد الخيارات المتاحة أمام القيادة الفلسطينية، هو خيار تدويل القضية الفلسطينية وخاصة بعد النجاحات التي حققتها الدبلوماسية السياسية وتوقيع فلسطين على عدد من الاتفاقيات والمواثيق مع المؤسسات الدولية في الأمم المتحدة وهى نضال يعده الكثيرون سلاحاً تخشاه إسرائيل؛ ومن أهم القرارات صدور قرار رقم 2334 ضد الاستيطان الإسرائيلي والذى ازعج إسرائيل وجاء بمؤتمر باريس للسلام الذى دعم حل الدولتين؛ ودعت أكثر من 70 دولة الفلسطينيين والاسرائيليين الى “اظهار الالتزام بحل الدولتين والامتناع عن أية أعمال أحادية تستبق نتيجة المفاوضات، خصوصا بشأن الحدود والقدس واللاجئين”، مؤكدة أنه في حال اتخاذ خطوات من هذا النوع “فإنها لن تعترف بها”([13]).

إسرائيل تخشى من تدويل القضية الفلسطينية وترفض أي قرارات للأمم المتحدة وترى ان الحل الأمثل لها هو مفاوضات ثنائية بدون سقف زمني او شروط فلسطينية. وهذا ما أكده الدكتور منصور أبو كريم في مقابلة عند سؤاله عن خيار تدويل القضية الفلسطينية

فقال: (استراتيجية إعادة تدويل القضية الفلسطينية قائمة بالفعل، حيث اتخذت القيادة الفلسطينية خيار الذهاب للأمم المتحدة والمنظمات الدولية والأخرى في سياق خطة تعزيز الاشتباك السياسي والقانوني مع إسرائيل في الساحات الدولية منذ بداية عام 2010، أي منذ صعود نتنياهو واليمين الديني المتطرف في إسرائيل منذ العام 2010، حيث تم ترقية صفة دولة فلسطينية من عضو مراقب إلى دولة مراقب، وبناء على ذلك انضمت للعديد من المنظمات والاتفاقيات الدولية، وخاصة معاهدة روما التي أنشأت محكمة الجنايات الدولية)([14]).

أما بخصوص خيار تدويل القضية الفلسطينية كنوع من الرد على خطة ترامب، فيجب البدء على الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، والانضمام للمنظمات والاتفاقيات الدولية الأخرى، دعوة أطراف اتفاقيات جنيف لعقد مؤتمر لمناقشة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية([15]).

 خيار انهاء الانقسام والوحدة الوطنية

استمرار الانقسام وضعف وترهل الحالة الداخلية الفلسطينية، يعتبر أحد أسباب لتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية الحقوق الفلسطينية في صفقة القرن، مما يطلب أنهاء سريعاً للانقسام واستعادة الوحدة على قاعدة الشراكة الكاملة في القرار زمن الحرب والسلم، والاتفاق على برنامج سياسي يضمن القواسم المشتركة واستراتيجية نضالية تحدد الأهداف والأدوات([16]).

يعد الانقسام الفلسطيني من بين أهم عوائق البدء في التفاوض الجاد لحل القضية. ويتحجج الآخرون – في أمريكا وإسرائيل – أنهم لا يجدون طرفا فلسطينيا يمكن التفاوض معه ويكون موقفه ملزما لكافة الأطراف الفلسطينية، رغم أننا يمكن أن تقول بنفس الملاحظة بالنسبة لإسرائيل المنقسمة على نفسها تجاه عملية السلام. حتى أنه لا توجد زعامة إسرائيلية تلتف حولها الأغلبية لتصل إلى حل ترضاه. وقد حان الوقت – منذ زمن – كي يعيد الفلسطينيون تنظيم أنفسهم تحت راية وقيادة واحدة([17]).  رغم أن فرص إنهاء الانقسام باتت قليلة في ظل إصرار الأطراف على مواقفها وعدم الجدية الواضحة في التعاطي بشكل إيجابي مع جهود إنهاء الانقسام إلا أن خيار انهاء الانقسام يظل الأفضل والأقل كلفة في مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه القضية الفلسطينية.

 

 

إعلان دولة فلسطينية مستقلة

إعلان دولة فلسطينية على حدود عام 1967، أو التأكيد على هذه الدولة باعتبارها دولة تحت الاحتلال خيار يمكن اللجوء إليه لمواجهة المواقف الأمريكية والإسرائيلية في حالة أعلنت إسرائيل عن ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بعد الانتخابات القادمة.

إعلان الدولة أو تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض خيار مهم لكنه يتطلب وحدة للنظام السياسي الفلسطيني، وإنهاء الانقسام لأنه لا يمكن إعلان دولة والأراضي الفلسطينية تشهد انقساما حاداً في المؤسسات والأجهزة والقيادات.

كما أن إعلان الدولة يتطلب مساندة عربية ودولية صعب تحقيقها في ظل الضغوط الكبيرة التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على الدول لمنع تقديم مساعدة كبيرة للفلسطينيين في مواجهة الموقف الأمريكي، كما حدث في مجلس الأمن([18]).

خيار إعلان الدولة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على حدود عام 1967، والطلب من دول العالم الاعتراف بها كرد على الطرح الأمريكي، خيار يصب في تدويل القضية الفلسطينية عبر الاستفادة من حالة التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية.

وضع الأراضي الفلسطينية تحت وصاية الأمم المتحدة

قد تكون أحد الخيارات مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وتنفيذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر بأغلبية 120 صوتاً وعدم انتظار موافقة الاحتلال الإسرائيلي على  تطبيق القانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي، فبعد الإعلان عن صفقة القرن هناك ضرورة فرض الحماية الدولية للشعب الفلسطيني من ممارسات الاحتلال والمستوطنين تجاه الفلسطينيين العزل، وكذلك لمنح الفلسطينيين حقوقهم في تقرير مصيرهم، وإقامة دولتهم ومنحهم حقوقهم وفق القرارات الدولية([19])

طلب الوصاية الدولية يمثل الخيار الأخير تماما ضمن الخيارات الفلسطينية المتاحة، كون أن وضع الأراضي الفلسطينية تحت وصاية الأمم المتحدة. لأنه يعود بالقضية عقودا للوراء، فهو يسلم القضية لغير أصحابها، في مخاطرة لا نعلم فيها لمن سيكون حق إدارة الوضع المترتب عليها.

خاتمة:

وضعت صفقة القرن تحديات كبيرة أمام الشعب الفلسطيني في طريقه إيجاد آليات عملية وكفيلة بمواجهة الموقف الأمريكي، كون أن الصفقة قامت على أساس فلسفة أن يكون العرض الأمريكي المقدم فيما يخص حقوق الفلسطينيين بسقف أدنى من سقف أوسلو بل ربما سيكون على الفلسطينيين خوض جولات مضنية من التفاوض، للوصول إلى سقف اتفاقات أوسلو الأمر الذي وضع الشعب الفلسطيني بكافة قواه أمام تحديات مصيرية.

من والضح أن إسرائيل ترى في صفقة القرن فرصة تاريخية لإبقاء الفلسطينيين عند نقطة الحك الذاتي والمستوى المتدني لأكبر وقت ممكن، فضلاً أن هذه الصفقة هي بمثابة كسر عميق للمطالب الفلسطينية الشرعية وتحجيم لأحلامهم التاريخية في الحصول على الحد الأدنى من العدالة في أي تسوية قادمة للصراع. فأي كيان فلسطيني سوف تفرزه هذه الصفقة بتلك المعايير السياسية والاقتصادية والأمنية والمحددات، لن يكون إلا كياناً مسخا سياسيا، وأمام هذه التحديات والتحولات في بعض المواقف العربية باتت خيارات الشعب والقيادة الفلسطينية قليلة ومحصورة ، إما في المراوحة في نفس المكان، أو استخدام ورقة المقاومة الشعبية تارة والنضال السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية تارة أخرى لمشاغله الجانب الأمريكي والإسرائيلي لحين إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعلى وعسى حدوث تغير في البيت الأبيض يعود بالوقف الأمريكي خطوات للوراء.

 

 ([1])خطة السلام من أجل الازدهار (صفقة القرن)، البيت الأبيض، ترجمة مركز الدراسات السياسية والتنموية بغزة 2020، ص 18.

 ([2]) مقابلة مع د. عبير ثابت، استاذة العلوم السياسية بجامعة الازهر بغزة. 12/2/2020

 ([3]) مقابلة مع د. عبير ثابت، استاذة العلوم السياسية بجامعة الازهر بغزة. 12/2/2020

([4]) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، متاح على الرابط التالي: 10277 https://0i.is/SFdX

([5]) خطة السلام من أجل الازدهار (صفقة القرن)، البيت الأبيض، ترجمة مركز الدراسات السياسية والتنموية بغزة 2020، ص 13

 ([6])خطة السلام من أجل الازدهار (صفقة القرن)، البيت الأبيض، ترجمة مركز الدراسات السياسية والتنموية بغزة 2020، ص 22

 ([7]) أوراق الفلسطينيين وخياراتهم “المحدودة” لمواجهة “صفقة القرن” مقابلة على القناة في برنامج خالد سلامة

https://p.dw.com/p/3Wsv3

 

 ([8]) نبيل شعث مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية يتحدث لبي بي سي عن خيارات السلطة الفلسطينية لمواجهة “صفقة القرن“؟ للمزيد من الفيديوهات زوروا صفحتنا http://www.bbc.com/arabic/media

 ([9]) مقال السفير محمد جمال الدين البيومي نشر بالعدد فبراير من مجلة (الدبلوماسي) الذي صدر في فبراير   2020.

 ([10]) مقابلة مع د عبير ثابت، استاذة العلوم السياسية بجامعة الازهر بغزة. 12/2/2020

 ([11]) وراق الفلسطينيين وخياراتهم “المحدودة” لمواجهة “صفقة القرن” مقابلة على القناة في برنامج خالد سلامة

https://p.dw.com/p/3Wsv3

([12]) مداخلة للباحث السياسي في الشأن الإسرائيلي محمود المرداوي في ندوة سياسية صفقة القرن واليات المستقبل بتركيا 14/2/2020

 ([13]) مقابلة مع د عبير ثابت، استاذة العلوم السياسية بجامعة الازهر بغزة. 12/2/2020

 ([14]) مقابلة مع د منصور أبو كريم باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية10/2/2020 مركز حيدر عبد الشافي

 ([15]) مقابلة مع د منصور أبو كريم باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية10/2/2020 مركز حيدر عبد الشافي

 ([16]) مداخلة د. محسن أبو رمضان في ندوة الابعاد السياسية والاقتصادية لصفقة القرن وسبل المواجهة في مركز حيدر عبد الشافي

 ([17]) مقال السفير محمد جمال الدين البيومي نشر بالعدد فبراير من مجلة (الدبلوماسي) الذي صدر في فبراير   2020.

 ([18]) مقابلة مع د. منصور أبو كريم باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية بمركز حيدر عبد الشافي بغزة 10/2/2020

 ([19]) مقابلة مع الخبير القانون الدولي الدكتور صلاح عبد العاطي رئيس مجلس إدارة الهيئة الدولية (حشد) بغزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق