الفعاليات

مخرجات دورة تدريبية بعنوان ” مهارات كتابة أوراق الموقف والسياسات “

إعداد وتنسيق :- مركز د. حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية .

إشراف المدرب : – منصور أبو كريم .

عنوان الورقة : – مستقبل قطاع غزة في ضوء صفقة القرن

إعداد : – هالة أبو عبدو       

الورقة الخامسة  ..

 

مقدمة

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 كانون الثاني/ يناير 2020 الشق السياسي من صفقة القرن، والتي اعتبرت أنها تخدم اسرائيل على حساب الفلسطينيين، فهي تعمل على اقامة دولة يهودية وعاصمتها القدس وضم وشرعنة المستوطنات لإسرائيل، أي التخلص من قضايا الحل النهائي (لاجئين، القدس، الحدود). هذه الخطة التي رفضت فلسطينيا، أصبحت تشكل تهديدا حقيقيا على واقع القضية الفلسطينية، لا سيما في ظل شرق أوسط مأزوم، وانشغال الدول بصراعاتها ونزاعاتها الداخلية. وهو ما يدفع الى التساؤل حول مستقبل مناطق السلطة الفلسطينية في ضوء صفقة القرن، لا سيما قطاع غزة الذي يقبع تحت حكم حماس؟

حيث أن هناك مخاوف من مصير قطاع غزة في ظل الأخبار والتقارير التي تتحدث عن تحركات سياسية بغطاء عربي تقوده قطر لمحاولة فصل وتحييد قطاع غزة عن محاولات الوحدة بين شقي الوطن.

أولاً: ماهية صفقة القرن

تمثل الصفقة بشقيها الاقتصادي والسياسي كخطة لحل الصراع الاسرائيلي _الفلسطيني بإدارة أمريكية –اسرائيلية، حيث أن الخطة جاء توقيتها لخدمة مصالح ترامب ونتنياهو في الانتخابات القادمة ولإبعاد تهم الفساد الموجهة إليهم، واجه ترامب محاكمة في مجلس الشيوخ تهدف إلى إقالته بتهم إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس. في حين يواجه نتنياهو تهمًا بالفساد منذ عام 2019، ففي بداية شهر فبراير / 2020 تم تبرأة دونالد ترامب من التهم الموجهة اليه “وفي التصويت الثاني على تهمتي المساءلة في إطار محاكمته، برّأ المجلس -الذي يهيمن عليه الجمهوريون-ساحة ترامب من الاتهام بأنه عرقل تحقيق الكونجرس فيما إذا كان تصرف بشكل غير لائق بحجب مساعدات أمنية عن أوكرانيا، وانتهت العملية بتصويت المجلس على البند الثاني من بنود المساءلة بتأييد 53 عضوا للتبرئة، مقابل رفض 47. “[1] ولربما هذه الصفقة قد تخدم نتنياهو الذي كان كالذراع الأيمن لترامب في اعداد الخطة لانتخابات الشهر القادم  لكونها تلقى قبولا من الشعب الاسرائيلي حيث أنها ستعمل على اقامة دولة يهودية وعاصمتها القدس وضم العديد من المستوطنات والتخلص من الارهاب الذي يهدد أمن المواطن الاسرائيلي ولكن نجد ايضا أن غانتس وهو منافس نتنياهو قد دعي قبل يوم من اعلان الصفقة من قبل ترامب لاطلاعه على الخطة وقد أيد هذه الخطة وأبدى استعداده للعمل على تنفيذها ، وهنا تبرز المنافسة بين حزب الليكود وحزبي أبيض أزرق في انتخابات الشهر القادم.

كما تهدف الصفقة الى انشاء شرق أوسط جديد، عبر تعزيز التطبيق العربي مع إسرائيل، وإقامة ناتو عربي إسرائيلي لمواجهة إيران والجماعات الإرهابية باعتبار إيران أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في المنطقة وليس الاحتلال الإسرائيلي، عبر حرف النظر عن ممارستها وسلوكها، وتركيز الانظار لإيران باعتبارها المسببة للصراع في منطقة الشرق الأوسط، تصوير التمدد الايراني  كون يشكل خطرا كبيرا على العديد من الدول ولا سيما دول الخليج العربي وغياب للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية والمحلية  في ظل انقسام سياسي يفصل قوى قطاع غزة عن الضفة الغربية ، كل هذه العوامل ساعدت في اعداد خطة أمريكية اسرائيلية تخدم طرفان فقط في المنطقة وتؤكد مقولة من لا يملك يعطي لمن لا يستحق في ضوء غياب موقف عربي اسلامي موحد.

ثانياً: مستقبل قطاع غزة في ضوء صفقة القرن

أعلنت في أوقات سابقة تحرك سياسي بغطاء عربي لإحداث تقدم في ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في إطار رؤية عربية امريكية لترتيب المنطقة واعادة صياغة المحاور الاقليمية. وقد أبدى القادة العرب استعدادهم لتحقيق “مصالحة تاريخية” مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967. وتبع ذلك زيارة لملك الاردن في 4 ابريل 2017، ثم زيارة للرئيس المصري الى الولايات المتحدة في 6 ابريل 2017. ثم جاءت زيارة الرئيس محمود عباس الى واشنطن في 2 مايو 2017، والتي أكد فيها أمام الجالية الفلسطينية والعربية “أنه جاء الى الرئيس ترامب بشيء مكتوب تم التوافق عليه مع رؤساء دول عربية” وجوهر ما تضمنته رؤية الرئيس للحل، دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وتبع ذلك عقد القمم الثلاث في المملكة العربية السعودية. وكان ملف انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي العامل المشترك في هذه القمم، حيث أصبح الحديث علنياً عن استعداد عربي لتطبيع العلاقات مع اسرائيل مقابل تسوية القضية الفلسطينية، وهو ما وجد احتضان وتشجيع امريكي، فوفقاً لمصادر عديدة من البيت الابيض فان الرئيس ترامب عازم على إنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط، وتشكيل تكتل استراتيجي جديد في المنطقة يضم اسرائيل والدول العربية المعتدلة التي ستعمل على تكبيل يد إيران ووكلائها في المنطقة. لذلك تجعل الولايات المتحدة هذا المحور ونجاحه مقدماً أو موازياً لخطط حل القضية الفلسطينية التقليدية[2].

وليس خافياً أن فكرة التعاون العربي مع اسرائيل دون حل القضية الفلسطينية تعتبر مغامرة من الانظمة العربية أمام شعوبها، لذلك أصبح احراز تقدم على المسار الفلسطيني ضرورة لإزالة هذه الحساسية. وفي إطار تفاعل الرئيس الفلسطيني مع الرؤية العربية التي ما زالت ترفع المبادرة العربية كطريق للحل، بدأ الرئيس تحركاً لتوحيد المشهد السياسي الفلسطيني واعادة قطاع غزة لتكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني استعداداً للتعامل مع المبادرات المطروحة لحل الصراع. ولكن في ظل المشهد السياسي الفلسطيني المنقسم واعلان صفقة القرن التي جاءت في وقت مخطط له لزعزعة الشرق الأوسط القديم وبناء شرق أوسط جديد بقيادة أمريكية تلقى دعما عربيا وأوروبيا لأنها تترأس قيادة مكافحة الارهاب واحلال السلام على غرار ما يخوفونه من غايات.

وضعت صفقة القرن مستقبل قطاع غزة على المحك، خاصة في ظل إصرار حركة حماس على حكم القطاع رغم التحديات الكبيرة التي يمر بها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية في ظل غياب لأفق أو رؤية واضحة للخروج من مأزق الانقسام، الذي بدأ يتعزز يوم بعد يوم بفضل فشل كل محاولات الأطراف المحلية والعربية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية. وفي ضوء هذه المواقف التي أصبحت واضحة يمكن أن نضع مجموعة من السيناريوهات والمقاربات لمستقبل الأوضاع السياسية لهذا الجزء من الأراضي الفلسطينية. وهي كالتالي:

 

انهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق المصالحة الفلسطينية

انهاء الانقسام السياسي الفلسطيني واعلان الوحدة الوطنية هو حل أساسي لا يمكن استبعاده لأنه الأجدر في التصدي لأي مخططات أمريكية إسرائيلية تهدد القضية الفلسطينية وهذا ضروري جدا لإعادة توطيد العلاقات مع الدول العربية ولا سيما المجاورة لكسب تأييدها ومناصرتها لحقوق الشعب الفلسطيني ولدعم وتأييد النظام السياسي الفلسطيني , فهذا السيناريو في الحقيقة بحاجة الى تكثيف الجهود الفلسطينية لاتخاذ اجراءات عملية على أرض الواقع في ضوء اجماع فلسطيني على رفض الصفقة  باعتبارها مخطط أمريكي اسرائيلي يخدم مصلحة شخصين هما دونالد ترامب وبينيامين نتنياهو  واستبعاد الطرف الفلسطيني وعدم اشراكه في عقد الاتفاق والعمل على اجباره على القبول به, فأكدت القيادة الفلسطينية أن هذه الصفقة لا تسعى الى خلق السلام في المنطقة بل أنها ستزيد حدة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وأنها تهدف الى الغاء الوجود الفلسطيني والى دفن القضية الفلسطينية واقامة الدولة اليهودية على أراضيها وعاصمتها القدس والغاء حق العودة للاجئين وحق تقرير المصير وشرعنة المستوطنات وتفكيك المدن الفلسطينية وربطها عبر جسور وأنفاق تحت السيادة الاسرائيلية وتجريد الشعب الفلسطيني من سلاحه واعتبار المقاومة ارهاب يجب القضاء عليها وأن لا يكون لهم سيادة لا برا ولا بحرا ولا جوا وبالتحديد قطاع غزة الذي يعد شوكة في حلق الاحتلال الاسرائيلي وأنه يتصدر المشهد في زعزعة أمن اسرائيل ولكن هذا كله يخالف قوانين الشرعية الدولية وهذا السيناريو المفترض يؤخذ في الحسبان لمواجهة أي مخططات أمريكية اسرائيلية لأن الانقسام هو الذي مهد وسيمهد لمخططات تشكل خطرا على الشعب الفلسطيني.

 

فصل قطاع غزة عن الأراضي الفلسطينية

منذ الانقسام وقطاع غزة ينزاح رويدا رويدا بتجاه الفصل عن باقي الأراضي الفلسطينية، فقد اقامت حركة حماس نظام مختلف تماما عن مؤسسات السلطة الفلسطينية في القطاع عقب سيطرتها عليه بالقوة صيف عام 2007.

سيناريو فصل قطاع غزة عن الأراضي الفلسطينية أمر محتمل في ظل إصرار إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على الاستفادة من حالة الانقسام لضرب أي إمكانية قيام دولة فلسطينية متماسكة على حدود عام 1967، ما يجعل فرضية فصل القطاع أمر وارد خاصة في ظل إصرار حركة حماس على حكم القطاع رغم كل المعاناة التي نتجت عن الانقسام. فصل قطاع غزة بشكل كامل وإقامة كيان مستقل فيه أمر محتمل لكنه مرتبط بتخلي حركة حماس وفصائل المقاومة عن سلاح المقاومة ونبذ العنف والالتزام بشروط اللجنة الرباعية الدولية، وهذا أمر يصعب تحقيقه في الوقت الحالي، الأمر الذي يقلل من فرص تحقيق هذا السيناريو في الوقت الحالي، رغم أنه يظل أمر محتمل، فهل يشهد القطاع انفصال تام في الوقت القريب؟

بقاء الوضع الراهن

بقاء الأوضاع الراهنة بدون الذهاب باتجاه مصالحة فلسطينية حقيقية تنهي فترة الانقسام، وبدون انتقال التفاهمات لهدنة طويلة الأمد بما يفضي لتعزيز حالة الانقسام ووصلها إلى انفصال كامل، هو سيناريو مرجح، خاصة في ظل انسداد افق التسوية من جانب وصعوبة التوصل لاتفاق هدنة طويل الأمد بين حركة حماس وفصائل المقاومة مع إسرائيل في ظل الشروط التي تضعها إسرائيل والمجتمع الدولي.

بقاء الوضع الراهن هو أكثر سيناريو قابل للتطبيق في ظل انسداد أفق المصالحة والتفاهمات مع الاحتلال، ما يجعل مستقبل القطاع على المحك، خاصة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مما قد يؤدي لتدهور الوضع الإنساني.

 

خاتمة

وضعت صفقة القرن مستقبل قطاع غزة في حكم المجهول، كون الصفقة لم تحسم أمر القطاع سواء لجهة عودة السلطة أو استمرار الوضع القائم، بل تحدثت إدارة ترامب في طرحها عن القطاع بمعزل عن الضفة الغربية ما يعزز من إمكانية بقاء الانقسام الفلسطيني لفترات طويلة قادمة، خاصة أن الصفقة وضعت شروط ومحددات على أي هيئة أو كيان يحكم القطاع، وطالبته بالالتزام بشروط الرباعية بدون حسم أي خيار الأمر الذي يجعل مستقبل القطاع في ضوء الموقف الأمريكي في حكم المجهول. مما يتطلب العمل السريع لإعلان المصالحة الفلسطينية وتشكيل جسم قيادي موحد يعمل على اتخاذ اجراءات فعلية وحقيقية على أرض الواقع تجسد الرفض التام والتصدي لهذا المخطط الذي يخالف قوانين الشرعية الدولية والسعي نحو استثمار مواقف الدول العربية والاسلامية والأوروبية الرافضة لهذا المخطط وكسب تأييدها في مساندة ودعم القضية الفلسطينية واجبار أمريكا واسرائيل على الغاء هذا المخطط.

 

 

[1] تبرئة ترامب من التهم الموجهة إليه في قضية عزله ,موقع عربي21,لندن ,الاربعاء 5/2/2020, http://bit.ly/39KTs0s

 

[2] محمد محسن وتد، قطار التطبيع مع إسرائيل. كم يقطع على سكة 2019؟، الجزيرة نت، 2019، على الرابط التالي: http://bit.ly/2STwvT2

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق