المقالات

“عن ثورة التعليم ” محاولة للتفكير والتأمل د. غانية ملحيس

“عن ثورة التعليم ” محاولة للتفكير والتأمل

د. غانية ملحيس

تواصل الدكتورة تفيدة جرباوي الإسهام بدور نشط في التنوير المعرفي للنهوض بالوعي الجمعي حول قضايا جوهرية . ومقالاتها الاخيرة حول التعليم عمومًا ، والمقال الأخير خصوصًا ” عن ثورة التعليم ” المنشور في جريدة الأيام بتاريخ 11/5/2020 ، تتسم باهمية فائقة ، من حيث توقيتها ، فهي تأتي في مرحلة زمنية فارقة يبدو فيها العالم وكأنه متوقفًا ، فيما في الواقع تتبلور فيه تغييرات جوهرية ستحدد شكل عالمنا لعقود طويلة قادمة .
هذه التغييرات كانت قادمة ، سواء بالكورونا ام من دونها ، لكن الكورونا سرعت وتائرها ، ومن يعجز عن فهم هذه التغيرات ويعتقد ان العالم بعد الكورونا سيعود الى وضعه السابق مخطىء وخاسر . وفي مقدمة الخاسرين ، أولئك الذين سيواصلون انتظار الفرج الذي يأتي من الغير
/ كما تعودنا نحن الفلسطينيين والعرب مع استثناءات محدودة أخذنا فيها زمام المبادرة لفترات قصيرة واستعجلنا الحصاد قبل أوانه بدهر ، فأعادنا ذلك إلى نقطة البداية . وما نزال صامدون في مواقعنا الانتظارية نهدد ونتوعد ، وجميعنا يعلم اننا ، بذلك ، إنما نطمئن الغزاة والطامعين ببلادنا باننا ما نزال عاجزين / .

لست متخصصة في التعليم كالدكتورة تفيدة ، لكن التأثيرات الجوهرية لأنماط التعليم عبر المنصات االاليكترونية خلال أزمة الكورونا ، والتي يتوقع ان تفرض نفسها بقوة على كثير من الدول بعد انتهاء الجائحة ، دون ان تستعد لها ، امر عام يتجاوز حدود الاختصاص الأكاديمي ، واعتقد. انه ينبغي ان يتصدر سلم أولويات الاهتمام الوطني والقومي في بلادنا العربية ، للأهمية القصوى للتعليم والعلوم في تشكيل ملامح مستقبل الشعوب والامم .

وفهم جوهر التغيرات الجوهرية الجارية واتجاه حركتها في عصر العولمة – الذي تسرعه جائحة الكورونا – لا يشكل ضرورة حيوية فحسب ، وانما حاجة وجودية في عالم سيبتلع كل من يكتفي بالمراقبة والانتظار .

والدعوة المحقة التي اطلقتها الدكتورة تفيدة جرباوي لفهم ثورة التعليم المتسارعة في زمن الكورونا بالغة الأهمية ، وهي ليست دعوة للالتحاق بتغييرات وتطورات يصنعها الغير كما هو دأبنا ، وانما للتكيف الواعي مع التغيرات الجارية عبر مواجهة ما تنطوي علية من اخطار جسيمة ينبغي تحديدها بدقة . والاستفادة مما تتيحه من فرص عظيمة يتوجب التقاطها بسرعة كبيرة ، والتخطيط الواعي للاستفادة منها وتعظيمها .
مصطلح ثورة التعليم. الذي اختارته عنوانًا لمقالتها يستدعي التأمل والتفكر . فالثورة في الوعي الجمعي لها مفهوم التغيير نحو الأفضل ، خصوصا عندما يتم تناولها في سياق استعراض الثورة الصناعية وثورة الاتصالات والثورة التكنولوجية ، وجميعها اثرت الحياة البشرية على امتداد الكرة الأرضية .

غير ان تأثيرات هذه الثورات علينا ً كعرب ، كانت في محصلتها سلبية ، لإخفاقنا في ادراك جوهر التحولات الكونية التي أنتجتها هذه الثورات ، ولعجزنا عن التكيف الإيجابي معها ، واقتصار فهمنا لمتطلبات مواكبتها على محاكاة ما نتج عنها من أنماط استهلاك يتم تلبيته باستيراد ما تتيحه منجزاتها مما ينتجه الغير وفقا لمصالحه ، في مختلف المجالات الفكرية والعلمية والقيمية والمنتجات السلعية والخدمية ، معتمدين في تمويل وارداتنا على استخدام العائدات الريعية التي توفرها الموارد الطبيعية الوفيرة التي تنعم بها بلادنا ، ما عمق الفجوة الحداثية والحضارية ، وأسهم بتحويلنا إلى متطوعين طيعين لخدمة أهداف الغير ، وقوض مقومات حضورنا الفاعل محليًا واقليميا ودوليًا .

وبإمعان النظر في ما آلت اليه اوضاعنا الفلسطينية العربية ، ينبغي الاعتراف بمسؤوليتنا الذاتية الرئيسة عن خياراتنا ، وعدم مواصلة لعب دور الضحية وتحميل الآخرين مسؤولية إخفاقاتنا ، دون انكار دورهم الكبير في توظيف ضعفنا وتخلفنا الحضاري المعرفي والفكري والإنتاجي ، وسعيهم لتعويق نهوضنا لمواصلة استغلالنا وحماية مكتسباتهم الوفيرة ، التي حققوها أساسًا بالبناء والمراكمة على منجزات الحضارة الإنسانية عبر العصور ، والتي كان لحضارتنا العربية – الإسلامية إسهامًا كبيرًا بها .
شواهد التاريخ البشري المدون حافل بصعود حضارات وأفول أخرى ، وحافل ايضا بأسباب النهوض والأفول ، وتنطوي مراجعتها الدقيقة على أهمية قصوى للباحثين عن مخارج من الأزمات ، والساعين للتأسيس للنهوض .

ثورة التعليم الرقمي على أهميتها الفائقة التي أشار المقال الى بعض جوانبها ، وخصوصا المتصلة منها بتوسيع قاعدة المستفيدين في سكان الأرياف والمناطق النائية ، وتحسين نوعية التعليم المتاح لهم ، وتخفيف وطأة التركز الديموغرافي في المدن ، وتقليص الضغط على البنية التحتية كالمدارس والمواصلات الخ…. وجلها مهم .
الا انها يجب ان لا تحجب الأخطار الكبيرة الكامنة في مواكبتها بذات النسق الذي واكبنا به الثورات التي سبقتها . وما لم يترافق هذا التطور التكنولوجي ، الذي أقحمته الكورونا قسرا على حياتنا ، باستعداد ذاتي ضروري لبنى تحتية ومناهج تعليمية وتربوية وطنية تحفظ ثقافتنا وحضارتنا ، وتعي الدور الرئيس للتعليم في تشكيل وعي الأجيال الفتية المناط بها صناعة المستقبل .

يحضرني في هذا المجال تجارب الدول العربية بخصخصة التعليم بدعوى رفع كفاءته وتحسين نوعية مخرجاته ، وتبرير ذلك بعجز التعليم الحكومي عن توفير الخدمة بالمستوى المطلوب ، دون تقييم علمي وموضوعي لدور التعليم العام في بلادنا ، عندما كانت الحكومات تدرك مسؤولياتها الرئيسة اتجاه مواطنيها ، وعندما كان التعليم الخاص يقوم بدور مساند ويقتصر على تأهيل الطلبة العاجزين عن اجتياز الامتحانات الرسمية . و دون الالتفات حتى إلى ان عديد الدول الرأسمالية الغربية المتقدمة ، ما تزال حتى اليوم ، تعتمد بشكل رئيس على التعليم الحكومي المجاني المتاح لجميع المواطنين ، باعتباره اداة لتكوين الوعي المعرفي الوطني ، وما تزال تفرض رقابة صارمة على التعليم الخاص ، وما تزال تقيد غالبية التعليم الأجنبي بالطلبة الأجانب ، وتشترط عند السماح لمواطنيها الالتحاق بمؤسساته التزامه بالمناهج والمعايير الوطنية المعتمدة .
فيما وجدت معظم الدول العربية في خصخصة التعليم فرصة مؤاتية لانسحابها المتدرج من اهم وظائفها التعليمية اتجاه مواطنيها ، وإخضاع هذه الخدمة لمعايير الربح والخسارة . وتقليص حصته من الإنفاق العام ، ما ادى إلى انخفاض مستوى التعليم الرسمي بشكل كبير ، واختزاله بالحدود الدنيا لتلبية احتياجات الفقراء الذين لا يقوون على تحمل التكاليف الباهظة للتعليم الخاص .
والى جانب خصخصة التعليم ، فقد تم السماح أيضا بالتعليم الأجنبي المدعوم من المصدر ، والذي يعتمد مناهج الدول الأجنبية ، ليس فقط في اللغات والعلوم البحتة ، وإنما أيضا في العلوم الإنسانية المصممة أساسا لخدمة أهداف ومصالح منتجيها الاجانب ، وسمح للمواطنين بحرية الالتحاق بمؤسساته ومعادلة شهادات خريجيه .

وأنتج الخلط بين دور اللغات والعلوم البحتة كأدوات للتواصل والتمكين ، وبين دور العلوم الانسانية كسبيل لصياغة الوعي الجمعي بالهوية الوطنية والقومية والحضارية . وأفرز حالة اغتراب متنام بين قطاعات شبابية تتزايد أعدادهم باطراد .
فالتعليم الخاص والأجنبي المتاح للمقتدرين وهم أقلية نسبية ، ربما وفر خريجين يمتلكون مهارات لغوية وتقنية أكسبتهم القدرة على المنافسة في سوق العمل المحلي والخارجي ، لكنه عمل بالتوازي على فصلهم تدريجيا عن أقرانهم وهم الغالبية الساحقة ، وحول معظمهم إلى نخب حائرة في انتمائها الحضاري ومنفصلة عن واقع مجتمعاتها ومحايدة اتجاه القضايا الوطنية والمنظومة القيمية ، لكنها تعتقد بتميزها وأحقيتها في الوصول إلى راس الهرم الوظيفي في القطاعين العام والخاص . ونجحت بذلك ، دون ان ترتقي بالاداء ، والذي يؤكده التراجع المطرد لترتيب دولنا العربية في جداول المقارنات الدولية على الصعد كافة .

استدعاء تجربة خصخصة التعليم وفتح المجال أمام موسسات التعليم الأجنبي دون قيود تتعلق بالمناهج التعليمية – وهو نهج تنفرد به دولنا العربية عن ساىر بلدان العالم – تنطوي على أهمية خاصة في هذه المرحلة المفصلية التي تشهد ثورة التعليم تسارعًا غير مسبوق .

فما لم ندرك ان التكنولوجيا ليست اكثر من اداة تمكين وان استخدامها حاجة لا غنى عنها وضرورة للبقاء ، شريطة ترافق ذلك مع امتلاك روية حضارية ومشروع نهضوي محدد الأهداف ، وخطة وبرامج عمل تنفيذية لبلوغها بالسرعة والكلفة المناسبة .
فان اخطار الاعتماد عليها كمنتج معرفي مكتمل تفوق إيجابياتها ، ذلك ان من ليس له خصوصية حضارية في عصر الثورة التكنولوجية سينتمي تلقائيًا – بغض النظر عن رغبته – للحضارة الغربية بطبعتها الأمريكية المعولمة .

وينبغي الانتباه إلى ان التسرع في الاعتماد على تجربة التعليم الاليكتروني في زمن الكورونا دون تقييم علمي وموضوعي للمزايا والمثالب . والدفع باتجاه تطبيقات التعليم الالكتروني قبل استكمال الاستعدادات الواجبة في البنى التحتية والمناهج الوطنية ، سيودي – ربما دون وعي – إلى تسهيل صناعة الإنسان الفلسطيني والعربي المعولم وفقا للنسق الذي تصوغه القوى المسيطرة على انتاج العلوم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق